تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفرع السابع: أجمع أهل العلم على أن صوم شهري الظهار يجب تتابعهما أي موالاة صيام أيامه من غير فصل بينهما. ولا خلاف بينهم في أن من قطع تتابعه لغير عذر: أن عليه استئناف الشهرين من جديد، وهل يفتقر التتابع إلى نية فيه، لأهل العلم ثلاثة أقوال:

أحدها: لا يفتقر لنية، لأنه تتابع واجب في العبادة، فلم يفتقر لنية تخصه كالمتابعة بين ركعات الصلاة.

والثاني: يفتقر لنية التتابع وتجدد النية كل ليلة، لأن ضم العبادة إلى عبادة أخرى إذا كان شرطا وجبت فيه النية، كالجمع بين الصلاتين.

والثالث: تكفي نية التتابع في الليلة الأولى عن تجديد النية كل ليلة وهذا أقربها، لأنا لا نسلم أن صوم كل يوم عبادة مستقلة، بل الأظهر أن صوم الشهرين جميعا عبادة واحدة. لأنه كفارة واحدة، فإذا نوى هذا الصوم أول ليلة فاللازم أن ينويه على وجهه المنصوص في الكتاب والسنة وهو شهران متتابعان، وهذا يكفيه عن تجديد النية كل ليلة. وهذا ظاهر مذهب مالك ومذهب أحمد عدم الاحتياج إلى نية التتابع مطلقا، وللشافعية وجهان أحدهما: كمذهب أحمد، والثاني: يفتقر إلى النية كل ليلة.

الفرع الثامن: اختلف أهل العلم فيما إذا كان قطع تتابع الصوم لعذر كمرض ونحوه، فقال بعض أهل العلم: إن كان قطع التتابع لعذر فإنه لا يقطع حكم التتابع، وله أن يبني على ما صام قبل حصول العذر. وهذا مذهب أحمد.

قال في المغني: وروي ذلك عن ابن عباس وبه قال ابن المسيب، والحسن، وعطاء، والشعبي، وطاوس، ومجاهد، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، والشافعي في القديم، وقال في الجديد: ينقطع التتابع، وهذا قول سعيد بن جبير والنخعي والحكم والثوري، وأصحاب الرأي قالوا: أفطر بفعله فلزمه الاستئناف.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في هذا الفرع أن قطع تتابع صوم كفارة الظهار بالإفطار في أثناء الشهرين إن كان لسبب لا قدرة له على التحرز عنه، كالمرض الشديد الذي لا يقدر معه على الصوم أنه يعذر في ذلك ولا ينقطع حكم التتابع، لأنه لا قدرة له على التحرز عن ذلك والله جل وعلا يقول:

لا يكلف الله نفسا إلا وسعها

[البقرة: 286] ويقول:

فاتقوا الله ما استطعتم

[التغابن: 16]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

" إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم "

، وإن كان يمكنه التحرز عن الإفطار الذي قطع به التتابع كالإفطار للسفر في أثناء صوم الكفارة، وكما لو كان ابتداء صومه الكفارة من شعبان، لأن شهره الثاني رمضان، وهو لا يمكن صومه عن الكفارة، وكما لو ابتدأ الصوم في مدة يدخل فيها يوم النحر أو يوم الفطر أو أيام التشويق، فإن التتابع ينقطع بذلك، لأنه قادر على التحرز عن قطعه بما ذكر لقدرته على تأخير السفر عن الصوم كعكسه، ولقدرته أيضا على الصوم في مدة لا يتخللها رمضان، ولا العيدان، ولا أيام التشريق كما لا يخفى، وإذا قطع التتابع بإفطار هو قادر على التحرز عنه بما ذكر، فكونه يستأنف صوم الشهرين من جديد ظاهر لقوله تعالى:

فصيام شهرين متتابعين

[المجادلة: 4] وقد ترك التتابع مع قدرته عليه، هذا هو الأظهر عندنا والعلم عند الله تعالى.

تنبيه

الأظهر: أنه إن وجب على النساء صوم يجب تتابعه لسبب اقتضى ذلك أن حكمهن في ذلك كما ذكرنا، فيعذرن في كل ما لا قدرة لهن على التحرز عنه كالحيض، والمرض دون غيره كالإفطار للسفر والنفاس، لأن النفاس يمكن التحرز عنه بالصوم قبله أو بعده، أما الحيض فلا يمكن التحرز عنه في صوم شهرين أو شهر، لأن المرأة تحيض عادة في كل شهر. والله تعالى أعلم.

الفرع التاسع: في حكم ما لو جامع المظاهر منها أو غيرها ليلا، في أثناء صيام شهري الكفارة، وفي هذا الفرع تفصيل لأهل العلم.

اعلم أنه إن جامع في نهار صوم الكفارة عمدا انقطع تتابع صومه إجماعا، ولزمه استئناف الشهرين من جديد، وسواء في ذلك كانت الموطوءة هي المظاهر منها أو غيرها وهذا لا نزاع فيه، وكذلك لو أكل أو شرب عمدا في نهار الصوم المذكور، وأما إن كان جماعه ليلا في زمن صوم الكفارة، فإن كانت المرأة التي جامعها زوجة أخرى غير المظاهر منها، فإن ذلك لا يقطع التتابع، لأن وطء غير المظاهر منها ليلا زمن الصوم مباح له شرعا، ولا يخل يتتابع الصوم في أيام الشهرين كما ترى، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٧٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٧٤٤