تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفرع الثاني عشر: أجمع العلماء على أن المظاهر إن لم يستطع الصوم انتقل إلى الإطعام، وهو إطعام ستين مسكينا، وقد نص الله تعالى على ذلك بقوله:

فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتمآسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا

[المجادلة: 4].

ومن الأسباب المؤدية إلى العجز عن الصوم الهرم وشدة الشبق، وهو شهوة الجماع التي لا يستطيع صاحبها الصبر عنه، ومما يدل على أن الهرم من الأسباب المؤدية للعجز عن الصوم ما جاء في قصة أوس بن الصامت الذي نزلت في ظهاره من امرأته آية الظهار، ففي القصة من حديث خولة بنت مالك بن ثعلبة التي ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت، ونزل في ذلك قوله تعالى:

قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها

[المجادلة: 1] الآيات، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم

" يعتق رقبة يعني زوجها أوسا قالت: لا يجد، قال: يصوم شهرين متتابعين؟ قالت: يا رسول الله: إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكينا "

الحديث، ومحل الشاهد منه أنها لما قالت: له: إنه شيخ كبير اقتنع صلى الله عليه وسلم بأن ذلك عذر في الانتقال، عن الصوم إلى الإطعام، فدل على أنه سبب من أسباب العجز عنه، والحديث وإن تكلم فيه، فإنه لا يقل بشواهده عن درجة الاحتجاج.

وأما الدليل على أن شدة الشبق عذر كذلك هو ما جاء في حديث سلمة بن صخر الذي تكلمنا عليه سابقا في هذا المبحث، أنه قال: كنت امرءا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان، فرقا من أن أصيب في ليلتي شيئا فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار.

الحديث وفيه قال

" فصم شهرين متتابعين، قال: قلت يا رسول الله وهل أصابني من أصابني إلا في الصوم. قال: فتصدق "

ومحل الشاهد منه أنه لما قال له: صم شهرين أخبره أن جماعه في زمن الظهار، إنما جاءه من عدم صبره عن الجماع، لأنه ظاهر من امرأته، خوفا من أن تغلبه الشهوة، فيجامع في النهار، فلما ظاهر غلبته الشهوة، فجامع في زمن الظهار، فاقتنع صلى الله عليه وسلم بعذره، وأباح له الانتقال إلى الإطعام، وهذا ظاهر.

وقال ابن قدامة في المغني: بعد أن ذكر أن الهرم، والشبق كلاهما من الأسباب المؤدية للعجز عن الصوم للدليل الذي ذكرنا آنفا، وقسنا عليهما ما يشبههما في معناهما.

الفرع الثالث عشر: أظهر قولي أهل العلم عندي: أنه لا يجزئ في الإطعام أقل من إطعام ستين مسكينا وهو مذهب مالك، والشافعي، والمشهور من مذهب أحمد خلافا لأبي حنيفة القائل: بأنه لو أطعم مسكينا واحدا ستين يوما أجزأه، وهو رواية عن أحمد، وعلى هذا يكون المسكين في الآية مأولا بالمد، والمعنى فإطعام ستين مدا، ولو دفعت لمسكين واحد في ستين يوما.

وإنما قلنا: إن القول بعدم إجزاء أقل من الستين هو الأظهر، لأن قوله تعالى: مسكينا تمييز لعدد هو الستون، فحمله على مسكين واحد خروج بالقرآن عن ظاهره المتبادر منه بغير دليل يجب الرجوع إليه، وهو لا يصح، ولا يخف أن نفع ستين مسكينا أكثر فائدة من نفع مسكين واحد في ستين يوما، لفضل الجماعة، وتضافر قلوبهم على الدعاء للمحسن إليهم بالإطعام فيكون ذلك أقرب إلى الإجابة من دعاء واحد، وستون جمع كثير من المسلمين لا يخلو غالبا من صالح مستجاب الدعوة فرجاء الاستجابة فيهم أقوى منه في الواحد كما لا يخفى، وعلى كل حال فقوله تعالى في محكم كتابه:

فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا

[المجادلة: 4] لا يخفى فيه أن قوله: فإطعام ستين مصدر مضاف إلى مفعوله، فلفظ: ستين الذي أضيف إليه المصدر، هو عين المفعول به الواقع عليه الإطعام، وهذا العدد الذي هو المفعول به للإطعام، مبين بالتمييز الذي هو قوله تعالى: مسكينا، وبذلك يتحقق أن الإطعام في الآية واقع على نفس العدد الذي هو ستون، فالاقتصار به على واحد خروج بنص القرآن عن ظاهره المتبادر منه بلا دليل يجب الرجوع إليه كما ترى، وحمل المسكين في هذه الآية الكريمة على المد من أمثلة المالكية والشافعية في أصولهم لما يسمونه التأويل البعيد والتأويل الفاسد، وقد أشار إلى ذلك صاحب مراقي السعود بقوله:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٧٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٧٤٦