فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب
[الشرح: 78]. وأنت رجل تلعب فاذهب فالعب. اه. منه.
واستدل أهل هذا القول بقوله تعالى:
ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون
[النحل: 116]. وقوله تعالى:
يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم
[المائدة: 87] وعموم قوله تعالى:
قل هلم شهدآءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم
[الأنعام: 150]. وعموم قوله تعالى:
يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك
[التحريم: 1] الآية. وعموم قوله صلى الله عليه وسلم:
" من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد "
، ومعلوم أن تحريم ما أحل الله ليس من أمرنا.
القول الثاني:أن التحريم ثلاث تطليقات، قال في إعلام الموقعين: وبه قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وزيد بن ثابت، وابن عمر، والحسن البصري، ومحمد عبد الرحمن بن أبي ليلى. وقضى فيها أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بالثلاث في عدي بن قيس الكلابي، وقال: والذي نفسي بيده لئن مسستها قبل أن تتزوج غيرك لأرجمنك: وقال في زاد المعاد: وروي عن الحكم بن عتبية ثم قال: قلت الثابت عن زيد بن ثابت وابن عمر: أن في ذلك كفارة يمين، وذكر في الزاد أيضا: أن ابن حزم نقل عن علي الوقف في ذلك، وحجة هذا القول بثلاث أنها لا تحرم عليه إلا بالثلاث، فكان وقوع الثلاث من ضرورة كونها حراما عليه.
القول الثالث: أنها حرام عليه بتحريمه إياها: قال في إعلام الموقعين: وصح هذا أيضا عن أبي هريرة، والحسن، وخلاس بن عمرو، وجابر بن زيد وقتادة، ولم يذكر هؤلاء طلاقا بل أمروه باجتنابها فقط. وصح ذلك أيضا علي رضي الله عنه، فإما أن يكون عنه روايتان، وإما أن يكون أراد تحريم الثلاث، وحجة هذا القول أن لفظه إنما اقتضى التحريم، ولم يتعرض لعدد الطلاق فحرمت عليه بمقتضى تحريمه.
القول الرابع: الوقف. قال في إعلام الموقعين: صح ذلك أيضا عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وهو قول الشعبي، وحجة هذا القول: أن التحريم ليس بطلاق، وهو لا يملك تحريم الحلال، إنما يملك إنشاء السبب الذي يحرم به، وهو الطلاق وهذا ليس بصريح في الطلاق، ولا هو مما ثبت له عرف الشرع في تحريم الزوجة، فاشتبه الأمر فيه فوجب الوقف للاشتباه.
القول الخامس: إن نوى به الطلاق فهو طلاق، وإلا فهو يمين. قال في الإعلام: وهذا قول طاوس والزهري، والشافعي، ورواية عن الحسن اه.
وحكى هذا القول أيضا عن النخعي وإسحاق وابن مسعود وابن عمرو حجة هذا القول، أن التحريم كناية في الطلاق، فإن نواه به كان طلاقا، وإن لم ينوه كان يمينا لقوله تعالى:
يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك
[التحريم: 1] إلى قوله تعالى:
قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم
[التحريم: 2].
القول السادس: أنه إن نوى به الثلاث فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة، وإن نوى يمينا فهو يمين، وإن لم ينو شيئا فهو كذبة لا شيء فيها، قاله سفيان، وحكاه النخعي عن أصحابه، وحجة هذا القول، أن اللفظ محتمل لما نواه من ذلك فيتبع نيته.
القول السابع: مثل هذا إلا أنه إن لم ينو شيئا فهو يمين يكفرها، وهو قول الأوزاعي. وحجة هذا القول ظاهر قوله تعالى:
قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم
[التحريم: 2].
القول الثامن مثل هذا أيضا، إلا أنه إن لم ينو شيئا فواحدة بائنة إعمالا للفظ التحريم، هكذا ذكر هذا القول في: إعلام الموقعين ولم يعزه لأحد.
وقال صاحب نيل الأوطار: وقد حكاه ابن حزم عن إبراهيم النخعي.
القول التاسع: أن فيه كفارة الظهار. قال في إعلام الموقعين: وصح ذلك عن ابن عباس أيضا، وأبي قلابة، وسعيد بن جبير، ووهب بن منبه، وعثمان البتي، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد، وحجة هذا القول أن الله تعالى جعل تشبيه المرأة بأمه المحرمة عليه ظهارا وجعله منكرا من القول وزورا، فإذا كان التشبيه بالمحرمة يجعله مظاهرا، فإذا صرح بتحريمها كان أولى بالظهار، وهذا أقيس الأقوال وأفقهها، ويؤيده أن الله لم يجعل للمكلف التحريم والتحليل، وإنما ذلك إليه تعالى، وإنما جعل له مباشرة الأفعال والأقوال، التي يترتب عليها التحريم والتحليل، فالسبب إلى العبد وحكمه إلى الله تعالى، فإذا قال: أنت علي كظهر أمي أو قال: أنت علي حرام، فقد قال المنكر من القول والزور، وقد كذب، فإن الله لم يجعلها كظهر أمه، ولا جعلها عليه حرام، فأوجب عليه بهذا القول من المنكر والزور أغلظ الكفارتين وهي كفارة الظهار.