وبه تعلم أن ذلك يلزمه أن يقال: إن قوله تعالى:
يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك
[التحريم: 1] الآية نزل في تحريمه صلى الله عليه وسلم العسل على نفسه، وفي تحريمه جاريته، وإذا علمت بذلك نزول قوله: لم تحرم، في تحريم الجارية: علمت أن القرآن دل على أن تحريم الجارية لا يحرمها، ولا يكون ظهارا منها وأنه تلزم فيه كفارة يمين، كما صح عن ابن عباس ومن وافقه، وقد قال ابن عباس: لما بين أن فيه كفارة يمين:
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة
[الأحزاب: 21]، ومعناه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كفر عن تحريمه جاريته كفارة يمين، لأن الله تعالى قال:
قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم
[التحريم: 2] بعد تحريمه جاريته المذكورة في قوله:
لم تحرم مآ أحل الله لك
[التحريم: 1] ومن قال من أهل العلم: إن من حرم جاريته لا تلزمه كفارة يمين، وإنما يلزمه الاستغفار فقط، فقد احتج بقوله تعالى:
والله غفور رحيم
[التحريم: 2] بعد قوله: لم تحرم، وقال إن النبي صلى الله عليه وسلم لما حرم جاريته قال مع ذلك:
" والله لا أعود إليها "
وهذه اليمين هي التي نزل في شأنها
قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم
[التحريم: 2]، ولم تنزل في مطلق تحريم الجارية، واليمين المذكورة، مع التحريم في قصة الجارية قال في نيل الأوطار: رواها الطبراني بسند صحيح عن زيد بن أسلم. التابعي المشهور، لكنه أرسله. اه. وكذلك رواه عنه ابن جرير.
وقال ابن كثير في تفسير: إن الهيثم بن كليب رواه في مسنده بسند صحيح وساق السند المذكور عن عمر رضي الله عنه، والمتن فيه التحريم واليمين كما ذكرنا، وعلى ما ذكرنا من أن آية: ﴿ لم تحرم مآ أحل الله لك ﴾ نزلت في تحريمه صلى الله عليه وسلم جاريته، فالفرق بين تحريم الجارية، والزوجة ظاهر، لأن آية لم تحرم دلت على أن تحريم الجارية لا يحرمها، ولا يكون ظهارا وآية:
والذين يظاهرون من نسآئهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة
[المجادلة: 3] الآية. دلت على أن تحريم الزوجة تلزم فيه كفارة الظهار المنصوص عليها في المجادلة لأن معنى ﴿ يظاهرون من نسآئهم ﴾ على جميع القراءات هو أن يقول أحدهم لامرأته: أنت علي كظهر أمي معناه أنت علي حرام، كما تقدم إيضاحه، وعلى هذا فقد دلت آية التحريم على حكم تحريم الأمة، وآية المجادلة على حكم تحريم الزوجة، كما تقدم إيضاحه، وعلى هذا فقد دلت آية التحريم على حكم تحريم الأمة، وآية المجادلة على حكم تحريم الزوجة، وهما حكمان متغايران كما ترى، ومعلوم أن ابن عباس رضي الله عنهما لم يقل بالفرق بينهما بل قال: إن حكم تحريم الزوجة، كحكم تحريم الجارية المنصوص في آية التحريم، ونحن نقول: إن آية الظهار تدل بفحواها على أن تحريم الزوجة ظهار، لأن أنت علي كظهر أمي، وأنت علي حرام معناهما واحد كما لا يخفى، وعلى هذا الذي ذكرنا فلا يصح الظهار من الأمة، وإنما يلزم في تحريمها بظهار، أو بصريح التحريم كفارة يمين أو الاستغفار كما تقدم، وهذا أقرب لظاهر القرآن، وإن كان كثير من العلماء على خلافه.
وقد قدمنا أن تحريم الرجل امرأته فيه للعلماء عشرون قولا، وسنذكرها هنا باختصار ونبين ما يظهر لنا رجحانه بالدليل منها إن شاء الله تعالى.
القول الأول: هو أن تحريم الرجل امرأته لغو باطل، لا يترتب عليه شيء. قال ابن القيم في إعلام الموقعين: وهو إحدى الروايتين، عن أبن عباس، وبه قال مسروق، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء، والشعبي، وداود وجميع أهل الظاهر، وأكثر أصحاب الحديث، وهو أحد قولي المالكية. اختاره أصبغ بن الفرج. وفي الصحيح عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس يقول: إذا حرم امرأته، فليس بشيء، وقال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) وصح عن مسروق أنه قال: ما أبالي أحرمت امرأتي أو قصعة من ثريد. وصح عن الشعبي في تحريم المرأة لهو أهون علي من نعلي. وقال أبو سلمة: ما أبالي أحرمت امرأتي أو حرمت ماء النهر. وقال الحجاج ابن منهال: إن رجلا جعل امرأته عليه حراما، فسأل عن ذلك حميد بن عبد الرحمن، فقال حميد قال الله تعالى: