القول العاشر: أنه تطليقة واحدة: وهي إحدى الروايتين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقول حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، وحجة هذا القول أن تطليق التحريم لا يقتضي التحريم بالثلاث، بل يصدق بأقله والواحدة متيقنة، فحمل اللفظ عليها، لأنها اليقين فهو نظير التحريم بانقضاء العدة.
القول الحادي عشر: أنه ينوي فيما أراد من ذلك، فيكون له نيته في أصل الطلاق وعدده، وإن نوى تحريما بغير طلاق فيمين مكفرة. قال ابن القيم: وهو قول الشافعي.
وحجة هذا القول: أن اللفظ صالح لذلك كله، فلا يتعين واحد منها إلا بالنية، فإن نوى تحريما مجردا كان امتناعا منها بالتحريم كامتناعه باليمين، ولا تحرم عليه في الموضعين اه. وقد تقدم أن مذهب الشافعي هو القول الخامس.
قال في نيل الأوطار: وهو الذي حكاه عنه في فتح الباري حكاه عنه ابن القيم نفسه.
القول الثاني عشر: أنه ينوي في أصل الطلاق وعدده، إلا أنه إن نوى واحدة كانت بائنة، وإن لم ينو طلاقا فهو مؤل، وإن نوى الكذب فليس بشيء وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
وحجة هذا القول احتمال اللفظ لما ذكره، إلا أنه إن نوى واحدة كانت بائنة، لاقتضاء التحريم للبينونة، وهي صغرى وكبرى، والصغرى هي المتحققة، فاعتبرت دون الكبرى، وعنه رواية أخرى إن نوى الكذب دين، ولم يقبل في الحكم بل يكون مؤليا، ولا يكون ظهارا عنده نواه، أو لم ينوه ولو صرح به فقا: أعني بها الظهار لم يكن مظاهرا انتهى من إعلام الموقعين.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار، بعد أن ذكر كلام ابن القيم: الذي ذكرناه آنفا إلى قوله: وهو قول أبي حنيفة وأصحابه هكذا قال ابن القيم: وفي الفتح عن الحنفية: أنه إذا نوى اثنتين فهي واحدة بائنة، وإن لم ينو طلاقا فهي يمين ويصير مؤليا اه.
القول الثالث عشر: أنه يمين يكفره ما يكفر اليمين. قال ابن القيم في إعلام الموقعين: صح ذلك عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وعائشة، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعكرمة وعطاء، ومكحول، وقتادة، والحسن، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير، ونافع، والأوزاعي، وأبي ثور، وخلق سواهم رضي الله عنهم.
وحجة هذا القول ظاهر القرآن العظيم، فإن الله تعالى ذكر فرض تحلة الأيمان عقب تحريم الحلال، فلا بد أن يتناوله يقينا فلا يجوز جعل تحلة الإيمان لغير المذكور قبلها، ويخرج المذكور عن حكم التحلة التي قصد ذكرها لأجله.
اه منه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر أن ابن القيم أراد بكلامه هذا أن صورة سبب النزول قطعية الدخول، وأن قوله:
قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم
[التحريم: 2] نازل في تحريم الحلال المذكور في قوله تعالى:
لم تحرم مآ أحل الله لك
[التحريم: 1] وما ذكره من شمول قوله: ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ لقوله: ﴿ لم تحرم مآ أحل الله لك ﴾ على سبيل اليقين. والجزم لا يخلو عندي من نظر لما قدمنا عن بعض أهل العلم من أن قوله: ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ نازل في حلف النبي صلى الله عليه وسلم لا يعود لما حرم على نفسه لا في أصل التحريم، وقد أشرنا للروايات الدالة على ذلك في أول هذا البحث.
القول الرابع عشر: أنه يمين مغلظة يتعين فيها عتق رقبة. قال ابن القيم: وصح ذلك أيضا عن ابن عباس، وأبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وجماعة من التابعين.
وحجة هذا القول أنه لما كان يمينا مغلظة غلظت كفارتها بتحتم العتق، ووجه تغليظها، تضمنها تحريم ما أحل الله، وليس إلى العبد. وقول المنكر والزور، وإن أراد الخبر فهو كاذب في إخباره معتد في إقسامه، فغلظت كفارته بتحتم العتق كما غلظت كفارة الظهار به أو بصيام شهرين، أو بإطعام ستين مسكينا.
القول الخامس عشر: أنه طلاق ثم إنها كانت غير مدخول بها، فهو ما نواه من الواحدة وما فوقها. وإن كانت مدخولا به فثلاث، وإن نوى أقل منها، وهو إحدى الروايتين عن مالك.