وعن سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء فقال:
" الحلال ما أحل الله في كتابه. والحرام ما حرم الله في كتابه. وما سكت عنه فهو مما قد عفا عنه، فلا تتكلفوا "
رواه الترمذي والحاكم وابن ماجه.
وأخرج الشيخان عن أنس قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء. وكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع.
وفي قصة اللعان من حديث ابن عمر: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها.
ولمسلم عن النواس بن سمعان قال: أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة بالمدينة، ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة. كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم.
ومراده: أنه قدم وافدا، فاستمر بتلك الصورة ليحصل المسائل، خشية أن يخرج من صفة الوفد إلى استمرار الإقامة، فيصير مهاجرا، فيمتنع عليه السؤال.
وفيه إشارة إلى أن المخاطب بالنهي عن السؤال غير الإعراب، وفودا كانوا أو غيرهم.
وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال: لما نزلت:
يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء...
[المائدة: 101] الآية, كنا قد أتقينا أن نسأله صلى الله عليه وسلم فأتينا أعرابيا فرشوناه برداء وقلنا: سل النبي صلى الله عليه وسلم.
ولأبي يعلى عن البراء: إن كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشيء فأتهيب. وإن كنا لنتمنى الأعراب - أي قدومهم - ليسألوا, فيسمعوهم أجوبة سؤالات الأعراب, فيستفيدوها.
وأما ما ثبت في الأحاديث من أسئلة الصحابة, فيحتمل أن يكون قبل نزول الآية، ويحتمل أن النهي عن الآية لا يتناول ما يحتاج إليه ما تقرر حكمه، أو ما لهم بمعرفته حاجة راهنة: كالسؤال عن الذبح بالقصب. والسؤال عن وجوب طاعة الأمراء إذا أمروا بغير الطاعة. والسؤال عن أحوال يوم القيامة وما قبلها من الملاحم والفتن. والأسئلة التي في القرآن: كسؤالهم عن الكلالة والخمر والميسر والقتال في الشهر الحرام واليتامى والمحيض والنساء والصيد وغير ذلك...
لكن الذين تعلقوا بالآية في كراهية كثرة المسائل عما لم يقع، أخذوه بطريق الإلحاق، من جهة أن كثرة السؤال، لما كانت سببا للتكليف بما يشق، فحقها أن تجتنب.
وقد عقد الإمام الدارمي في أوائل (مسنده) لذلك بابا. وأورد فيه عن جماعة من الصحابة والتابعين آثارا كثيرة في ذلك، منها:
عن ابن عمر: لا تسألوا عما لم يكن. فإني سمعت عمر يلعن السائل عما لم يكن.
وعن عمر: أحرج عليكم أن تسألوا عما لم يكن.
فإن لنا فيما كان شغلا.
وعن زيد بن ثابت؛ أنه كان إذا كان إذا سئل عن الشيء؟ يقول: كان هذا؟ فإن قيل: لا! قال: دعوه حتى يكون.
وعن أبي بن كعب، وعن عمار نحو ذلك.
وأخرج أبو داود في (المراسيل): عن أبي سلمة ومعاذ مرفوعا: لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها. فإنكم إن تفعلوا لم يزل في المسلمين من إذا قال سدد - أو وفق - وإن عجلتم تشتتت بكم السبل.
وعن أشياخ الزبير بن سعيد مرفوعا: لا يزال في أمتي من إذا سئل سدد، حتى يتساءلوا عما لم ينزل.
قال بعض الأئمة: والتحقيق في ذلك؛ أن البحث عما لا يوجد فيه نص، على قسمين: أحدهما أن يبحث عن دخوله في دلالة النص على اختلاف وجوهها؛ فهذا مطلوب لا مكروه. بل ربما كان فرضا على من تعين عليه من المجتهدين. ثانيهما: أن يدقق النظر في وجوه الفروق، فيفرق بين متماثلين بفرق ليس له أثر في الشرع مع وجود وصف الجمع، أو بالعكس بأن يجمع بين متفرقين بوصف طردي مثلا. فهذا الذي ذمه السلف. وعليه ينطبق حديث ابن مسعود رفعه:
" هلك المتنطعون... "
أخرجه مسلم، فرأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته.
ومثله: الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب ولا السنة ولا الإجماع، وهي نادرة الوقوع جدا، فيصرف فيها زمانا كان صرفه في غيرها أولى، لا سيما إن لزم من ذلك إغفال التوسع في بيان ما يكثر وقوعه. وأشد من ذلك - في كثرة السؤال - البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها. ومنها لا يكون له شاهد في عالم الحس. كالسؤال عن وقت الساعة وعن الروح وعن مدة هذه الأمة... إلى أمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل الصرف. والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإيمان به من غير بحث. وأشد من ذلك ما يوقع كثرة البحث عنه في الشك والحيرة. قال بعضهم: مثال التنطع في السؤال حتى يفضي بالمسؤول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتي بالإذن - أن يسأل عن السلع التي توجد في الأسواق: هل يكره شراؤها ممن هي في يده من قبل البحث عن مصيرها إليه أولا؟ فيجيبه بالجواز. فإن عاد فقال: أخشى أن يكون من نهب أو غصب، ويكون ذلك الوقت قد وقع شيء من ذلك في الجملة، فيحتاج أن يجيبه بالمنع. ويقيد ذلك إن ثبت شيء من ذلك حرم، وإن تردد كره أو كان خلاف الأولى. ولو سكت السائل عن هذا التنطع لم يزد المفتي على جوابه بالجواز. وإذا تقرر ذلك، فمن يسد باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها، فإنه يقل فهمه وعلمه؛ ومن توسع في تفريع المسائل وتوليدها - ولا سيما فيما يقل وقوعه أو يندر، ولا سيما إن كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة - فإنه يذم فعله، وهو عين الذي كرهه السلف.