تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فغرقوا جميعا.

هذا، وفي تفسير بعض الزيدية - نقلا عن زيد والنفس الزكية والمؤيد بالله وأبي حنيفة ومالك والشافعي - أن توبة المحارب تسقط الحدود لله، دون حقوق بني آدم من قتل أو مال، لقوله تعالى:

كتب عليكم القصاص في القتلى

[البقرة: 178]، وقوله:

وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس

[المائدة: 45]، وقوله تعالى:

ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا

[الإسراء: 33]، وقوله صلى الله عليه وسلم:

" على اليد ما أخذت حتى ترد "

، وقوله عليه الصلاة والسلام:

" لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه "

قال في (شرح الإبانة): وروى زيد بن علي بإسناده إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام؛ أن قاطع الطريق، إذا تاب قبل أن يؤخذ وظفر به الإمام، ضمن المال واقتص منه. ثم قال: أما الكافر فلا خلاف أن توبته تسقط عنه جميع الحدود. انتهى.

وأخرج أبو داود والنسائي عن ابن عباس قال: نزلت في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل.

وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد، إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله.

5.35

﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا ﴾ - أي: اطلبوا - ﴿ إليه الوسيلة ﴾ أي: القربة - كذا فسره ابن عباس ومجاهد وأبو وائل والحسن وزيد وعطاء والثوري وغير واحد. وقال قتادة: أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه. وقرأ ابن زيد:

أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة

[الإسراء: 57]. قال ابن كثير: وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة, لا خلاف بين المفسرين فيه. وفي (القاموس وشرحه): الوسيلة والواسلة, المنزلة عند الملك والدرجة والقربة والوصلة. وقال الجوهري: الوسيلة, ما يتقرب به إلى الغير. والتوسيل والتوسل واحد. يقال: وسل إلى الله تعالى توسيلا, عمل عملا تقرب به إليه, كتوسل. و (إلى) يجوز أن يتعلق ب (ابتغوا) وأن يتعلق ب (الوسيلة). قدم عليها للاهتمام به ﴿ وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون ﴾ أي: بسبب المجاهدة في سبيله. وقد بين كثير من الآيات أن المجاهدة بالأموال والأنفس.

تنبيه

ما ذكرناه في تفسير (الوسيلة) هو المعول عليه. وقد أوضح إيضاحا لا مزيد عليه, تقي الدين ابن تيمية عليه الرحمة في (كتاب الوسيلة) فرأينا نقل شذرة منه, إذ لا غني للمحقق في علم التفسير عنه. قال رحمه الله بعد مقدمات:

إن لفظ الوسيلة والتوسل, فيه إجمال واشتباه, يجب أن تعرف معانيه ويعطي كل ذي حق حقه. فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه. وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك. ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه. فإن كثيرا من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها، حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل الخطاب. فلفظ الوسيلة مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ﴾. وفي قوله تعالى:

قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا * أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا

[الإسراء: 56-57]. فالوسيلة التي أمر الله أن تبتغي إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه، هي ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات. فهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك. سواء كان محرما أو مكروها أو مباحا. فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول فأمر به أمر إيجاب واستحباب. وأصل ذلك الإيمان بما جاء به الرسول. فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها، هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول، لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك.

محاسن التأويل · الصفحة ٨٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٨٥٢