الثاني: دلت الآية على وجوب موالاة المؤمنين ومعاداة الكفار، والمراد به في أمر الدين كما تقدم.
الثالث: دلت على أن الهزء بالدين كفر, وأن هزله كجده.
قال في (الإكليل): الآية أصل في تكفير المستهزئ بشيء من الشريعة.
الرابع: دلت على أن للصلاة نداء وهو الأذان, فهي أصل فيه.
قال الزمخشري: قيل: فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب, لا بالمنام وحده.
ولما نهى تعالى عن تولي المستهزئين, أمر أن يخاطبوا بأن الدين منزه، عما يصحح صدور ما صدر عنهم من الاستهزاء, ويظهر لهم سبب ما ارتكبوا ويلقموا الحجر, بقوله تعالى:
﴿ قل يأهل الكتاب هل تنقمون منآ إلا أن آمنا بالله... ﴾.
5.59
﴿ قل يأهل الكتاب ﴾ وصفوا بذلك تمهيدا لتبكيتهم وإلزامهم بكفرهم بكتابهم, أي: يا أصحاب الكتاب, العالمين بالنقائص والكمالات, التي يستحق على تحققها وفقدها الاستهزاء ﴿ هل تنقمون منآ ﴾ أي: ما تعيبون وتنكرون منا ﴿ إلا أن آمنا بالله ﴾ وهو رأس الكمالات ﴿ ومآ أنزل إلينا ﴾ وهو أصل الاعتقادات والأعمال والأخلاق ﴿ ومآ أنزل من قبل ﴾ وهو يشهد لما أنزل إلينا ﴿ وأن أكثركم فاسقون ﴾ أي: متمردون خارجون عن الإيمان بما ذكر.
لطائف
الأولى: إنما فسر (تنقمون) ب (تعيبون) و (تنكرون) لأن النقمة معناها الإنكار باللسان أو بالعقوبة - كما قاله الراغب - لأنه لا يعاقب إلا على المنكر فيكون على حد قوله: ونشتم بالأفعال لا بالتكلم. فلذا حسن (انتقم منه) مطاوعه, بمعنى عاقبه وجازاه, وإلا فكيف يخالف المطاوع أصله؟ فافهم. و (نقم) ورد كعلم يعلم وضرب يضرب, وهي الفصحى, ويعدى ب (من) و (على). وقال أبو حيان: أصله أن يتعدى ب (على). ثم (افتعل) المبني منه, يعدي ب (من) لتضمنه معنى الإصابة بالمكروه, وهنا (فعل) بمعنى (افتعل) كذا في (العناية).
الثانية: في الآية تسجيل على أهل الكتاب بكمال المكابرة والتعكيس, حيث جعلوا الإيمان بما ذكر, موجبا لنقمه, مع كونه في نفسه موجبا لقبوله وارتضائه. فمعنى الآية: ليس شيء ينقم من المؤمنين. فلا موجب للاستهزاء. وهذا مما تقصد العرب في مثله, تأكيد النفي والمبالغة فيه بإثبات شيء, وذلك الشيء لا يقتضي إثباته, فهو منتف أبدا. ويسمى مثل ذلك عند علماء البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس, فمن الأول نحو:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
بهن فلول من قراع الكتائب
ومن الثاني هذه الآية وشبهها. أي: ما ينبغي لهم أن ينقموا شيئا إلا هذا, وهذا لا يوجب لهم أن ينقموا شيئا، فليس شيء ينقمونه، فينبغي أن يؤمنوا به ولا يكفروا. وفيه أيضا التعريض بكفرهم، وتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان.
الثالث: إسناد الفسق إلى أكثرهم، لأن من قال منهم ما قال، وحمل غيره على العناد، طلبا للرياسة والجاه وأخذ الرشوة، إنما هو أكثرهم. ولئلا يظن أن من آمن منهم داخل في ذلك.