5.80
﴿ ترى كثيرا منهم ﴾ أي: من أهل الكتاب ﴿ يتولون الذين كفروا ﴾ أي: يوالون المشركين، بغضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الرازي: والمراد منهم كعب بن الأشرف وأصحابه، حين استجاشوا المشركين على الرسول صلى الله عليه وسلم. وذكرنا ذلك في قوله تعالى:
ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا
[النساء: 51].
﴿ لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ﴾ أي: لبئس شيئا قدموا لمعادهم. وقوله تعالى: ﴿ أن سخط الله عليهم ﴾ هو المخصوص بالذم، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، تنبيها على كمال التعلق والارتباط بينهما كأنهما شيء واحد، ومبالغة في الذم. والمعنى: لبئس زادهم في الآخرة موجب سخطه تعالى عليهم ﴿ وفي العذاب ﴾ أي: عذاب جهنم ﴿ هم خالدون ﴾.
5.81
﴿ ولو كانوا ﴾ أي: هؤلاء الذين يتولون عبدة الأوثان من أهل الكتاب ﴿ يؤمنون بالله والنبي ﴾ أي: نبيهم موسى عليه السلام ﴿ وما أنزل إليه ﴾ أي: من التوراة ﴿ ما اتخذوهم أوليآء ﴾ إذ الإيمان بالله يمنع من تولي من يعبد غيره ﴿ ولكن كثيرا منهم فاسقون ﴾ خارجون عن دينهم، أو متمردون في نفاقهم. يعني: أن موالاتهم للمشركين كفى بها دليلا على نفاقهم، وأن إيمانهم ليس بإيمان؛ لأن تحريم ذلك متأكد في التوراة وفي شرع موسى عليه السلام. فلما فعلوا ذلك ظهر أنه ليس مرادهم تقرير دين موسى عليه السلام، بل مرادهم الرياسة والجاه، فيسعون في تحصيله بأي طريق قدروا عليه، فلهذا وصفهم تعالى بالفسق.
وفي الآية وجه آخر: وهو أن يكون المعنى: ولو كانوا - أي: منافقوا أهل الكتاب المدعون للإيمان - يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن حق الإيمان، ما ارتكبوا ما ارتكبوه، من موالاة الكافرين في الباطن.
والوجه الأول أقوم، والله أعلم.
ثم أكد تعالى ما تقدم من مثالب اليهود بقوله:
﴿ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا... ﴾.