ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظا على ما جاء في تفسيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، الذين شاهدوا التنزيل. وحصل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه ومفهومه، وعن معاني السنة وما دلت عليه كذلك، مقتصرا على ما يصلح للحجة منها، فإنه الذي يحمد وينتفع به. وعلى ذلك يحمل عمل فقهاء الأمصار من التابعين فمن بعدهم - كذا في فتح الباري.
ثم رأيت في (موافقات) الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى، في أواخرها - في هذا الموضوع - مبحثا جليلا، قال في أوله: الإكثار من الأسئلة مذموم. والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح. من ذلك قوله تعالى... - وساق هذه الآية وما أسلفناه من الآثار وزاد أيضا عما نقلنا - ثم قال:... والحاصل أن كثرة السؤال ومتابعة المسائل بالأبحاث العقلية والاحتمالات النظرية، مذموم، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وعظوا في كثرة السؤال حتى امتنعوا منه. وكانوا يحبون أن يجيء الأعراب فيسألون حتى يسمعوا كلامه ويحفظوا منه العلم.. ثم قال: ويتبين من هذا أن لكراهية السؤال مواضع، نذكر منها عشرة مواضع:
أحدها: السؤال عما لا ينفع في الدين، كسؤال عبد الله بن حذافة: من أبي؟ وروي في (التفسير) أنه عليه السلام سئل: ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدرا ثم ينقص إلى أن يصير كما كان؟ فأنزل الله:
يسألونك عن الأهلة...
[البقرة: 189] الآية فإنما أجيب بما فيه من منافع الدين.
وثانيها: أن يسأل بعد ما بلغ من العلم حاجته، كما سأل الرجل عن الحج: أكل عام؟ مع أن قوله تعالى:
ولله على الناس حج البيت
[آل عمران: 97] قاض بظاهره أنه للأبد، لإطلاقه. ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله:
إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة
[البقرة: 67].
وثالثها: السؤال من غير احتياج إليه في الوقت، وكأن هذا - والله أعلم - خاص بما لم ينزل فيه حكم، وعليه يدل قوله:
" ذروني ما تركتكم "
وقوله:
" وسكت عن أشياء رحمة بكم، لا عن نسيان، فلا تبحثوا عنها ".
ورابعها: أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها، كما جاء في النهي عن الأغلوطات.
وخامسها: أن يسأل عن علة الحكم - هو من قبيل التعبدات، أو السائل ممن لا يليق به ذلك السؤال - كما في حديث قضاء الصوم دون الصلاة.
وسادسها: أن يبلغ بالسؤال إلى حد التكلف والتعمق، وعلى ذلك يدل قوله تعالى:
قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من المتكلفين
[ص: 86]؛ ولما سئل الرجل: يا صاحب الحوض، هل ترد حوضك السباع؟ قال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض، لا تخبرنا! فإنا نرد على السباع وترد علينا.
وسابعها: أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب والسنة بالرأي، ولذلك قال سعيد: أعراقي أنت؟ وقيل لمالك بن أنس: الرجل يكون عالما بالسنة أيجادل عنها؟ قال: لا. ولكن يخبر بالسنة. فإن قبلت منه، وإلا سكت.
وثامنها: السؤال عن المتشابهات، وعلى ذلك يدل قوله تعالى:
فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه...
[آل عمران: 7] الآية. وعن عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أسرع التنقل. ومن ذلك سؤال من سأل مالكا عن الاستواء؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهول، والسؤال عنه بدعة.
وتاسعها: السؤال عما شجر بين السلف الصالح. وقد سئل عمر بن عبد العزيز عن قتال أهل صفين؟ فقال: تلك دماء كف الله عنها يدي، فلا أحب أن ألطخ بها لساني.
وعاشرها: سؤال التعنت والإفحام وطلب الغلبة في الخصام. وفي القرآن في ذم نحو هذا:
ومن الناس من يعجبك قوله في الحيوة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام...
[البقرة: 204]. وقال:
بل هم قوم خصمون
[الزخرف: 58]، وفي الحديث:
" أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ".
هذه جملة من المواضع التي يكره السؤال فيها، يقاس عليها ما سواها، وليس النهي فيها واحدا، بل فيها ما تشتد كراهيته، ومنها ما يخف، ومنها ما يحرم، ومنها يكون محل اجتهاد. وعلى جملة، منها يقع النهي عن الجدال في الدين كما جاء: إن المراء في القرآن كفر. وقال تعالى: