تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعنه: أن الله تعالى أدب عباده فأحسن أدبهم. قال الله تعالى:

لينفق ذو سعة من سعته

[الطلاق: 7]. ما عاب الله قوما وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا.. ولا عذر قوما زواها عنهم فعصوه.

الرابع: قال الرازي: لم يقل تعالى: كلوا ما رزقكم، ولكن قال: ﴿ مما رزقكم الله ﴾ وكلمة: (من) للتبعيض. فكأنه قال: اقتصروا في الأكل على البعض واصرفوا البقية إلى الصدقات والخيرات، لأنه إرشاد إلى ترك الإسراف كما قال: " ولا تسرفوا ".

5.89

﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ تقدم الكلام على اللغو في اليمين في (سورة البقرة) وإنه ما يسبق إليه اللسان بلا قصد الحلف، كقول الإنسان: لا، والله! وبلى والله! والمراد بالمؤاخذة: مؤاخذة الإثم والتكفير، أي: فلا إثم في اللغو ولا كفارة ﴿ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ﴾ أي: بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها عليه بأن حلفتم عن قصد منكم، أي: إذا حنثتم. أو بنكث ما عقدتم، فحذف للعلم به. وقرئ بالتخفيف، وقرئ (عاقدتم) بمعنى: عقدتم ﴿ فكفارته ﴾ أي: فكفارة نكثه، أي: الخصلة الماحية لإثمه: ﴿ إطعام عشرة مساكين ﴾ يعني: محاويج من الفقراء ومن لا يجد ما يكفيه ﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ أي: لا من أجوده فضلا عما تخصونه بأنفسكم. ولا من أردأ ما تطعمونهم فضلا عن الذي تعطونه السائل ﴿ أو كسوتهم أو تحرير رقبة ﴾ أي: عتقها ﴿ فمن لم يجد ﴾ أي: شيئا مما ذكر ﴿ فصيام ثلاثة أيام ﴾ كفارته ﴿ ذلك ﴾ أي: المذكور ﴿ كفارة أيمانكم ﴾ أي: التي اجترأتم بها على الله تعالى ﴿ إذا حلفتم ﴾ أي: وحنثتم ﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ أي: عن الإكثار منها - أو عن الحنث - إذا لم يكن ما حلفتم عليه خيرا، لئلا يذهب تعظيم اسم الله عن قلوبكم ﴿ كذلك ﴾ أي: مثل هذا البيان الكامل ﴿ يبين الله لكم آياته ﴾ أي: أعلام شرائعه ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ أي: نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج.

قال المهايمي: أي: تشكرون نعمه بصرفها إلى ما خلقت له، ومن جملتها صرف اللسان، الذي خلق لذكر الله وتعظيمه، إلى ذلك. فإذا فات صرف بعض ما ملكه إلى بعض ما يجبره ليقوم مقام الشكر باللسان، إذ به يتم تعظيمه. فإذا لم يجد كسر هوى النفس من أجله فهو أيضا من تعظيمه. فافهم.

وفي هذه الآية مباحث

الأول: معنى: (أو) التخيير وإيجاب إحدى الكفارات الثلاث. فإذا لم يجدا انتقل إلى الصوم.

فأما الإطعام فليس فيه تحديد بقدر. لا في وجبة ولا وجبتين، ولا في قدر من الكيل.

ولذا روي عن الصحابة والتابعين فيه وجوه. جميعها مما يصدق عليه مسماه. فبأيها أخذ أجزأه. فمنها ما رواه ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه قال: يغديهم ويعشيهم. كأنه ذهب - رضي الله عنه - إلى المراد بالإطعام الكامل - أعني قوت اليوم وهو وجبتان - وإلا فالإطعام يصدق على الوجبة الواحدة.

ولذا قال الحسن ومحمد بن الحنفية: يكفيه إطعامهم أكلة واحدة خبزا ولحما. زاد الحسن: فإن لم يجد فخبزا وسمنا ولبنا، فإن لم يجد فخبزا وزيتا وخلا حتى يشبعوا.

وعن عمر وعلي أيضا وعائشة وثلة من التابعين: يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر أو نحوهما.

وعن ابن عباس: لكل مسكين مد من بر ومعه إدامه.

وفي (فتح القدير) من كتب الحنفية: يجوز أن يغديهم ويعشيهم بخبز. إلا أنه إن كان برا لا يشترط الإدام، وإن كان غيره فبإدام.

وحكي عن الهادي: اشتراط الأكل لإشعار (الإطعام) بذلك.

والأكثرون: أن الأكل غير شرط؛ لأنه ينطلق لفظ (الإطعام) على التمليك.

الثاني: إطلاق (المساكين) يشمل المؤمن والكافر الذمي والفاسق. فبعضهم أخذ بعموم ذلك. ومذهب الشافعية والزيدية: خروج الكافر بالقياس على منع صرف الزكاة إليه، وأما الفاسق فيجوز الصرف إليه مهما لم يكن في ذلك إعانة له على المنكر. ولم يجوزه الهادي. وظاهر الآية اشتراط العدد من المساكين. وقول بعضهم: إن المراد إطعام طعام يكفي العشرة، مفرعا عليه جواز إطعام مسكين واحد عشرة أيام - عدول عن الظاهر، لا يثبت إلا بنص.

محاسن التأويل · الصفحة ٩٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٩٢٣