وزاد: وبالقرآن إماما، فاعف عنا عفا الله عنك. فلم يزل به حتى رضي.
وأخرج أيضا عن أبي هريرة قال:
" خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمار وجهه حتى جلس على المنبر. فقام إليه رجل فقال: أين أنا؟ قال: " في النار "
- نحو ما مر - وفيه: فنزلت:
يأيها الذين آمنوا لا تسألوا...
[المائدة: 101] الآية.
قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): وبهذه الزيادة - أي على ما في البخاري من قول رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أين أنا؟ قال: " في النار " - يتضح أن هذه القصة سبب نزول:
لا تسألوا عن أشيآء...
[المائدة: 101] الآية، فإن المساءة في حق هذا جاءت صريحة، بخلافها في حق حذافة فإنها بطريق الجواز، أي: لو قدر أنه في نفس الأمر لم يكن لأبيه، فبين أباه الحقيقي، لافتضحت أمه، كما صرحت بذلك أمه حين عاتبته على هذا السؤال. انتهى.
وروى الإمام أحمد والترمذي عن أبي البختري عن علي رضي الله عنه قال:
" لما نزلت هذه الآية: ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ﴾ [آل عمران: 97] قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كل عام؟ فسكت، قال: ثم قالوا: أفي كل عام؟. فقال: " لا. ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم ". فأنزل الله: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تسألوا... ﴾ [المائدة: 101] الآية ".
قال الترمذي: غريب. وسمعت البخاري يقول: أبو البختري لم يدرك عليا.
وروى ابن جرير نحوه عن أبي هريرة وأبي أمامة، وكذا عن ابن عباس، قال في الآية: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا. فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم بيانه. اه.
قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): والحاصل أنها نزلت بسبب كثرة المسائل. إما على سبيل الاستهزاء أو الامتحان، وإما على سبيل التعنت عن الشيء الذي لو لم يسئل عنه لكان على الإباحة.
الثاني: قال ابن كثير: ظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته. فالأولى الإعراض عنها وتركها. وما أحسن الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:
" لا يبلغني أحد عن أحد شيئا. فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر "
ورواه أبو داود والترمذي.
الثالث: قال الإمام ابن القيم في (إعلام الموقعين): لم ينقطع حكم هذه الآية. بل لا ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال عما إن بدا له ساءه. بل يستعفي ما أمكنه، ويأخذ بعفو الله. ومن ههنا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا صاحب الميزاب، لا تخبرنا. لما سأله رفيقه عن مائه: أطاهر أم لا؟
وكذلك لا ينبغي للعبد أن يسأل ربه أن يبدي له من أحواله وعاقبته ما طواه عنه وستره. فلعله يسوءه إن أبدي له. فالسؤال عن جميع ذلك تعرض لما يكرهه الله. فإنه سبحانه يكره إبداءها. ولذلك سكت عنها. اه.
وما ذكره من التعميم هو باعتبار ظاهرها. وأما المقصود أولا وبالذات - كما يفيده تتمتها - فهو النهي عن السؤال بما يسوء إبداؤه في زمن الوحي.
ويدل له، ما رواه البخاري عن سعد بن أبي وقاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إن أعظم المسلمين جرما، من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسئلته ".
فإن مثل ذلك قد أمن وقوعه.
وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" ذروني ما تركتكم. فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه "
رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي.
وعن أبي ثعلبة الخشني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تقربوها، وترك أشياء، من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها "
رواه الدارقطني وأبو نعيم.