تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله ".

وروى ابن جرير: أن عمر بن الخطاب قال: لقد هممت أن لا أدع أحدا أصاب فاحشة في الإسلام أن يتزوج محصنة. فقال له أبي بن كعب: يا أمير المؤمنين، الشرك أعظم من ذلك وقد يقبل منه إذا تاب.

وقوله تعالى: ﴿ ومن يكفر بالإيمن فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخسرين ﴾ يريد ب (الإيمان): شرائع الإسلام، على أنه مصدر أريد به المؤمن به، ك " درهم ضرب الأمير ". و(الكفر) الإباء عنه وجحوده. والآية تذييل لقوله: ﴿ اليوم أحل لكم الطيبت... ﴾ تعظيما لشأن ما أحله الله وما حرمه، وتغليظا على من خالف ذلك. كذلك في (العناية).

5.6

﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ لما كان من جملة الإيفاء بالعقود التي افتتحت به هذه السورة إقامة الصلاة، وكانت مشروطة بالطهارة، بين سبحانه في هذه الآية كيفيتها.

قال بعض المفسرين: نزلت في عبد الرحمن وكان جريحا. وقيل: لما احتبس صلى الله عليه وسلم في سفر ليلا - بسبب عقد ضاع لعائشة، وأصبحوا على غير ماء. انتهى.

والثاني رواه البخاري - كما في (أسباب النزول) للسيوطي - وقد قدمنا الكلام على ذلك في سورة النساء في (آية التيمم) ثمة. فانظره.

ولهذه الآية ثمرات هي أحكام شرعية

الأولى: وجوب الوضوء وقت القيام إلى الصلاة، أي: إرادته. فقوله تعالى: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة ﴾. كقوله:

فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله

[النحل: 98]. وكقولك: إذا ضربت غلامك فهون عليه، في أن المراد إرادة الفعل. قال الزمخشري: فإن قلت: لم جاز أن يعبر عن إرادة الفعل بالفعل؟ قلت: لأن الفعل يوجد بقدرة الفاعل عليه وإرادته له، وهو قصده إليه وميله وخلوص داعيه. فكما عبر عن القدرة على الفعل بالفعل في قولهم: الإنسان لا يطير، والأعمى لا يبصر، أي: لا يقدران على الطيران والإبصار، ومنه قوله تعالى:

نعيده وعدا علينآ إنا كنا فاعلين

[الأنبياء: 104]، يعني: إنا كنا قادرين على الإعادة. كذلك عبر عن إرادة الفعل بالفعل، وذلك لأن الفعل مسبب عن القدرة والإرادة، فأقيم المسبب مقام السبب للملابسة بينهما. ولإيجاز الكلام ونحوه، من إقامة المسبب مقام السبب، قولهم: كما تدين تدان. عبر عن الفعل المبتدأ - الذي هو سبب الجزاء - بلفظ الجزاء الذي هو مسبب عنه.

الثانية: ظاهر الآية وجوب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا، نظرا إلى عموم: ﴿ الذين آمنوا ﴾ من غير اختصاص بالمحدثين. والجمهور على خلافه لما روى الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن عن بريدة قال:

" كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال: له عمر: يا رسول الله، إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله. قال: " إني عمدا فعلته يا عمر "

وروى البخاري عن سويد بن النعمان قال:

" خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، عام خيبر حتى إذا كنا بالصهباء صلى بنا صلى الله عليه وسلم العصر. فلما صلى دعا بالأطعمة، فلم يؤت إلا بالسويق، فأكلنا وشربنا. ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى المغرب، فمضمض ثم صلى بنا المغرب ولم يتوضأ "

وروى الإمام أحمد وأبو داود عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وقد سئل عن وضوء أبيه عبد الله، لكل صلاة، طاهرا أو غير طاهر، عمن هو؟ قال: حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب؛ أن عبد الله بن حنظلة بن الغسيل حدثها؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث.

فكان عبد الله يرى أنه به قوة على ذلك، كان يفعله حتى مات. قال ابن كثير: وفي فعل ابن عمر هذا، ومداومته على إسباغ الوضوء لكل صلاة. دلالة على استحباب ذلك، كما هو مذهب الجمهور.

محاسن التأويل · الصفحة ٨١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٨١٤