5.2
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر الله ﴾ ، أي: معالم دينه، وهي المناسك. وإحلالها أن يتهاون بحرمتها، وأن يحال بينهما وبين المتنسكين بها. وقد روى ابن جرير عن عكرمة والسدي قالا:
" نزلت في الحطم، واسمه شريح بن هند البكري، أتى المدينة وحده، وخلف خيله خارج المدينة، ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إلام تدعو الناس؟ قال صلى الله عليه وسلم: " إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ". فقال: حسن. إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم، ولعلي أسلم وآتي بهم، فخرج من عنده. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: " يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان " فلما خرج شريح قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لقد دخل بوجه كافر، وخرج بقفا غادر، وما الرجل بمسلم ". فمر بسرح من سراح المدينة فاستاقه وانطلق به وهو يرتجز ويقول:
قد لفها الليل بسواق حطم * ليس براعي إبل ولا غنم
ولا بجزار على ظهر الوضم * باتوا نياما وابن هند لم ينم
بات يقاسها غلام كالزلم * خدلج الساقين ممسوح القدم
فتبعوه فلم يدركوه. فلما كان العام القابل، خرج شريح حاجا مع حجاج بكر بن وائل، من اليمامة، معه تجارة عظيمة، وقد قلد الهدي. فقال المسلمون: يا رسول الله، هذا الحطم قد خرج حاجا فخل بيننا وبينه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه قد قلد الهدي " فقالوا: يا رسول الله، هذا شيء كنا نفعله في الجاهلية. فأبى النبي صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر الله ﴾ "
قال ابن عباس: هي المناسك، لأن المشركون يحجون ويهدون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فنهاهم الله عن ذلك. وعن ابن عباس أيضا: ﴿ لا تحلوا شعآئر الله ﴾: هي أن تصيد وأنت محرم. ويقال: شعائر الله، شرائع دينه التي حدها لعباده، وإحلالها الإخلال بها. وظاهر أن عموم اللفظ يشمل الجميع. ﴿ ولا الشهر الحرام ﴾ المراد به الجنس، فيدخل في ذلك جميع الأشهر الحرم، وهي أربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب، أي: لا تحلوها بالقتال فيها. وقد كانت العرب تحرم القتال فيها في الجاهلية، فلما جاء الإسلام لم ينقض هذا الحكم، بل أكده. كذا في (لباب التأويل).
قال ابن كثير: يعني بقوله: ﴿ ولا الشهر الحرام ﴾ ، تحريمه والاعتراف بتعظيمه، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه، من الابتداء بالقتال. كما قال تعالى:
يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير
[البقرة: 217]، وقال تعالى:
إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا
[التوبة: 36] الآية، وفي صحيح البخاري عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، في حجة الوداع:
" إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض. السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم "
الحديث. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنه، في قوله تعالى: ﴿ ولا الشهر الحرام ﴾: يعني: لا تستحلوا القتال فيه. وكذا قال مقاتل وعبد الكريم بن مالك الجزري. واختاره ابن جرير أيضا. وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ. وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم. واحتجوا بقوله تعالى:
فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم
[التوبة: 5]. والمراد أشهر التيسير الأربعة. قالوا: فلم يستثن شهرا حراما من غيره. انتهى. وفي كتاب (الناسخ والمنسوخ) لابن حزم: إن الآية نسخت بآية السيف. ونقل بعض الزيدية في (تفسيره) عن الحسن أنه ليس في هذه السورة منسوخ. وعن أبي ميسرة. فيها ثماني عشرة فريضة. وليس فيها منسوخ. انتهى.
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عوف قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة شيء؟ قال: لا.
وقال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) في (فصل سرية الخبط) كان أميرها أبا عبيدة ابن الجراح، وكانت في رجب، فيما ذكره الحافظ ابن سيد الناس في (عيون الأثر).