تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عفا الله عنك لم أذنت لهم

[التوبة: 43]، حيث قدم العفو على المعاتبة له صلى الله عليه وسلم. انتهى - فبعيد. وقياسه على الآية قياس مع الفارق لاختلاف المقامين. فالأظهر ما ذكرناه، والله أعلم بأسرار كتابه.

﴿ انظر كيف نبين لهم الآيات ﴾ أي: على توحيد الله، وبطلان الاتحاد وإلهية عيسى وأمه، وبطلان شبهاتهم! ﴿ ثم انظر أنى يؤفكون ﴾ أي: كيف يصرفون عن التأمل فيها إلى الإصرار على التمسك بالشبهات الظاهرة البطلان.

قال أبو السعود: وتكرير الأمر بالنظر، للمبالغة في التعجيب من حال الذي يدعون لهما الربوبية، ولا يرعوون عن ذلك، بعد ما بين لهم حقيقة حالهما بيانا لا يحوم حوله شائبة ريب، وثم لإظهار ما بين العجبين من التفاوت. أي: إن بياننا للآيات أمر بديع في بابه، بالغ لأقاصي الغايات القاصية من التحقيق والإيضاح، وإعراضهم عنها - مع انتفاء ما يصححه بالمرة، وتعاضد ما يوجب قبولها - أعجب وأبدع.

5.76

﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ﴾ هذا دليل آخر على فساد قول النصارى، والموصول كناية عن عيسى وأمه. أي: لا يستطيعان أن يضراكم بمثل ما يضركم به الله من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال. ولا أن ينفعاكم بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان والسعة والخصب. ولأن كل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع، فبإقدار الله وتمكينه، فكأنهما لا يملكان منه شيئا. وإيثار (ما) على (من) لتحقيق ما هو المراد من كونهما بمعزل من الألوهية رأسا، ببيان انتظامهما في سلك الأشياء التي لا قدرة لها على شيء أصلا؛ أي: وصفة الرب أن يكون قادرا على كل شيء لا يخرج مقدور عن قدرته. وإنما قدم (الضر) لأن التحرز عنه أهم من تحري النفع. ﴿ والله هو السميع العليم ﴾ بالأقوال والعقائد. فيجازي عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فهو وعد ووعيد.

تنبيهات:

الأول: جعل ابن كثير الخطاب في قوله تعالى: ﴿ أتعبدون ﴾ عاما للنصارى وغيرهم، أي: قل لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم. وفي (تنوير المقباس) أن (ما) عبارة عن الأصنام خاصة. وكلاهما مما يأباه السباق والسياق.

الثاني: قال في (فتح البيان): إذا كان هذا في حق عيسى النبي، فما ظنك بولي من الأولياء؟ فإنه أولى بذلك.

الثالث: جعل أكثر المفسرين (ما) كناية عن عيسى عليه السلام فقط، والمقام أنها كناية عنه وعن أمه عليهما السلام، كما أوضحه المهايمي واعتمدناه.

الرابع: دلت الآية على جواز الحجاج في الدين؛ فإن كان مع الكفار وأهل البدع، فذلك ظاهر الجواز؛ وإن كان مع المؤمن جاز بشرط أن يقصد إرشاده إلى الحق، لا إن قصد العلو فمحظور. وحكى عن الشافعي أنه كان إذا جادل أحدا قال: اللهم، ألق الحق على لسانه. أفاده بعض الزيدية.

لما أقام تعالى الأدلة القاهرة على بطلان ما تقوله النصارى، أرشدهم إلى اتباع الحق ومجانبة الغلو الباطل، بقوله سبحانه:

﴿ قل يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ٩١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٩١٠