تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال ابن كثير: قد استدل بقوله تعالى: ﴿ غير متجانف لإثم ﴾ من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر، لأن الرخص لا تنال بالمعاصي. والله أعلم.

5.4

﴿ يسألونك ماذآ أحل لهم ﴾ أي: من المطاعم ﴿ قل أحل لكم الطيبات ﴾ أي: ما ليس بخبيث منها، وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة. و (الطيب) في اللغة هو المستلذ، و (الحلال) المأذون فيه، يسمى طيبا تشبيها بما هو مستلذ، لأنهما اجتمعا في انتفاء المضرة. ﴿ وما علمتم من الجوارح ﴾ عطف على (الطيبات) بتقدير مضاف، أي: وصيد ما علمتموه. أو مبتدأ، على أن (ما) شرطية وجوابها (فكلوا). و (الجوارح): الكواسب من سباع البهائم والطير - كالكلب والفهد والعقاب والصقر والبازي والشاهين - لأنها تجرح لأهلها أي تكسب لهم، الواحدة جارحة، تقول العرب: فلان جرح أهله خيرا، أي: كسبهم خيرا، وفلان لا جارح له، أي: لا كاسب، ومنه قوله تعالى:

ويعلم ما جرحتم بالنهار

[الأنعام: 60]؛ أي: كسبتم. وقيل: سميت (جوارح) لأنها تجرح الصيد عند إمساكه.

وقوله تعالى: ﴿ مكلبين ﴾ أي: معلمين لها أن تستشلي إذا أشليت، وتنزجر إذا زجرت، ويجتنب عند الدعوة، ولا تنفر عند الإرادة، فتصير كأنها وكلاؤكم لتعلمهن. إلا إذا قتلت بأنفسها من غير تعليم، فلا يحل صيدها.

قال الزمخشري: (المكلب) مؤدب الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها ورائضها لذلك، بما علم من الحيل وطرق التأديب والتثقيف. واشتقاقه من (الكلب) لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب، فاشتق من لفظه لكثرته في جنسه، أو لأن السبع يسمى كلبا، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام:

" " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " فأكله الأسد "

(الحديث حسن، أخرجه الحاكم) أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة، يقال: هو كلب بكذا إذا كان ضاريا به. وانتصاب (مكلبين) على الحال من (علمتم). فإذا قلت: ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها ب (علمتم)؟ قلت: فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريرا في علمه، مدربا فيه، موصوفا بالتكليب. وقوله تعالى: ﴿ تعلمونهن ﴾ حال ثانية أو استئناف، وفيه فائدة جليلة. وهي أن على كل آخذ علما أن لا يأخذه إلا من أفتل أهله علما، وأنحرهم دراية، وأغوصهم على لطائفه وحقائقه. وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل. فكم من آخذ، عن غيره متقن، قد ضيع أيامه، وعض عند لقاء النحارير أنامله ﴿ مما علمكم الله ﴾ أي: من علم التكليب. لأنه إلهام من الله ومكتسب بالعقل. أو مما عرفكم أن تعلموه من إتباع الصيد بإرسال صاحبه. وانزجاره بزجره. وانصرافه بدعائه. وإمساك الصيد عليه وأن لا يأكل منه. انتهى.

وقال الناصر في (الانتصاف): وفي الآية دليل على أن البهائم لها علم. لأن تعليمها، معناه لغة، تحصيل العلم له بطرقه. خلافا لمنكري ذلك.

﴿ فكلوا ممآ أمسكن عليكم ﴾ أي: صدن لكم وإن قتلته بأن لم يأكلن منه ﴿ واذكروا اسم الله عليه ﴾ الضمير يرجع إلى (ما علمتم من الجوارح) أي: سموا عليه عند إرساله، كما بينه حديث أبي ثعلبة وعدي الآتي.

وجوز رجوعه إلى (ما أمسكن) على معنى: وسموا عليه إذا أدركتم زكاته ﴿ واتقوا الله ﴾ أي: بالأكل مما فقد فيه شرط من هذه الشرائط استعجالا إليها ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ أي: المجازاة على كل ما جل ودق.

تنبيهات

الأول: روى ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، عن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين. سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله، قد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: ﴿ يسألونك ماذآ أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ﴾؛ قال سعيد: يعني الذبائح الحلال الطيبة لهم؛ وقال مقاتل: ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه، وهو الحلال من الرزق. وقد سئل الزهري عن شرب البول للتداوي؟ فقال: ليس هو من الطيبات، رواه ابن أبي حاتم.

محاسن التأويل · الصفحة ٨٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٨٠٢