5.90
﴿ يأيها الذين آمنوا إنما الخمر ﴾ أي: الشراب الذي خامر العقل، أي: خالطه فستره ﴿ والميسر ﴾ أي: القمار ﴿ والأنصاب ﴾ أي: الأصنام المنصوبة للعبادة ﴿ والأزلام ﴾ أي: القداح ﴿ رجس من عمل الشيطان ﴾ أي: خبيث من تزيين الشيطان، وقذر تعاف عنه العقول.
قال المهايمي: لأن الخمر تضيع العقل، وما دون السكر داع إلى ما يستكمله، فأقيم مقامه في الشرع الكامل. والميسر تضيع المال. والأنصاب تضيع عزة الإنسان بتذلله لما هو أدنى منه. والأزلام تضيع العلم للجهل بالثمن والمثمن. انتهى.
وما ذكره هو شذرة من مفاسدها ﴿ فاجتنبوه ﴾ أي: اتركوه، يعني: ما ذكر. أو (الرجس) الواقع على الكل ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ أي: رجاء أن تنالوا الفلاح فتنجوا من السخط والعذاب وتأمنوا في الآخرة.
ثم أكد تعالى تحريم الخمر والميسر ببيان مفاسدهما الدنيوية والدينية. فالأولى في قوله:
﴿ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضآء في الخمر... ﴾.
5.91
﴿ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ﴾ أي: المشاتمة والمضاربة والمقاتلة ﴿ والبغضآء ﴾ القاطعة للتعاون الذي لا بد للإنسان منه في معيشته ﴿ في الخمر ﴾ أي: إذا صرتم نشاوي ﴿ والميسر ﴾ إذا ذهب مالكم. وقد حكي أنه ربما قامر الرجل بأهله وولده فإذا أخذه الخصم وقعت العداوة بينهما أبدا. ثم أشار إلى مفاسدهما الدينية بقوله: ﴿ ويصدكم عن ذكر الله ﴾ إذ يغلب السرور والطرب على النفوس والاستغراق في الملاذ الجسمانية فيلهى عن ذكر الله. والميسر، إن كان صاحبه غالبا انشرحت نفسه ومنعه حب الغلبة والقهر عن ذكر الله، وإن كان مغلوبا، مما حصل من الانقباض أو الاحتيال إلى أن يصير غالبا، لا يخطر بباله ذكر الله ﴿ وعن الصلاة ﴾ أي: ويصدكم عن مراعاة أوقاتها. وقوله تعالى: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ من أبلغ ما ينهى به، كأنه قيل: قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع. فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون؟ أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم توعظوا ولم تزجروا؟ أفاده الزمخشري.
تنبيهات
الأول: سبق الكلام على الخمر والميسر في سورة البقرة في قوله تعالى:
يسألونك عن الخمر والميسر
[البقرة: 219] وسلف أيضا معنى الأنصاب والأزلام في أول هذه السورة عند قوله:
وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام
[المائدة: 3] فتذكر.
الثاني: إنما جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أولا، ثم أفردا آخرا، وخصصا بشرح ما فيهما من الوبال - للتنبيه على أن المقصود بيان حالهما. وذكر الأصنام والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة. كأنه لا مباينة بين من عبد صنما وأشرك بالله في علم الغيب، وبين من شرب خمرا أو قامر.
روى الحارث بن أبي أسامة في (مسنده) عن ابن عمرو مرفوعا:
" شارب الخمر كعابد وثن وشارب الخمر كعابد اللات والعزى "
وإسناده حسن.
وتخصيص الصلاة بالإفراد، مع دخولها في الذكر، للتعظيم والإشعار بأن الصاد عنها كالصاد عن الإيمان، لما أنها عماده.
الثالث: هذه الآية دالة على تأكيد تحريم الخمر والميسر من وجوه:
ومنها: تصدير الجملة ب (إنما) وذلك لأن هذه الكلمة للحصر، فكأنه تعالى قال: لا رجس ولا شيء من عمل الشيطان إلا الخمر والميسر وما ذكر معهما.
ومنها: أنه قرنهما بعبادة الأوثان.
ومنها: أن جعلهما رجسا كما قال تعالى:
فاجتنبوا الرجس من الأوثان
[الحج: 30].
ومنها: أنه جعلهما من عمل الشيطان، والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت.
ومنها: أنه أمر بالاجتناب، وظاهر الأمر للوجوب.
ومنها: أنه جعل الاجتناب من الفلاح. وإذا كان الاجتناب فلاحا، كان الارتكاب خيبة ومحقة.
ومنها: أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال - وهو وقوع التعادي والتباغض - وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة.