ثم أشار تعالى إلى أن موالاة غيرهم، إن كانت لجر نفع، فضررها أعظم. وإن كانت لدفع ضرر، فالضرر الحاصل بها لا يفي بالمدفع، فقال سبحانه:
﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا... ﴾.
5.57
﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ أي: مقتضى إيمانكم حفظ تعظيم دينكم ﴿ لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم ﴾ أي: الذي هو رأس مال كمالاتكم، الذي به انتظام معاشكم ومعادكم، وهو مناط سعادتكم الأبدية، وسبب قربكم من ربكم ﴿ هزوا ﴾ أي: شيئا مستخفا ﴿ ولعبا ﴾ أي: سخرية وضحكا، مبالغة في الاستخفاف به حتى لعبوا بعقول أهله. ثم بين المستهزئين وفصلهم بقوله تعالى: ﴿ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار ﴾ قرئ بالنصب والجر، يعني المشركين كما في قراءة ابن مسعود: " ومن الذين أشركوا " ﴿ أوليآء ﴾ في العون والنصرة. وإنما رتب النهي على وصف اتخاذهم الدين هزوا ولعبا، تنبيها على العلة، وإيذانا بأن من هذا شأنه، جدير بالبغضاء والشنآن والمنابذة. فكيف بالموالاة؟ ﴿ واتقوا الله ﴾ أي: في ذلك، بترك موالاتهم، أو بترك المناهي على الإطلاق. فيدخل فيه ترك موالاتهم دخولا أوليا ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ أي: حقا، فإن قضية الإيمان توجب الاتقاء لا محالة.
ثم بين استهزاءهم بحكم خاص من أحكام الدين، بعد استهزائهم بالدين على الإطلاق، إظهارا لكمال شقاوتهم، بقوله سبحانه:
﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا... ﴾.