تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثالث: لم يبين في الآية حد الكسوة وصفتها؛ فالواجب حينئذ الحمل على ما ينطلق عليها اسمها.

قال الشافعي، رحمه الله: لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة - من قميص أو سراويل أو إزار أو عمامة أو مقنعة - أجزأه ذلك.

وقال مالك وأحمد بن حنبل: لا بد أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن يصلي فيه، إن كان رجلا أو امرأة، كل بحسبه.

وقال العوفي عن ابن عباس: عباءة لكل مسكين أو شملة.

وقال مجاهد: أدناه ثوب وأعلاه ما شئت.

وعن ابن المسيب: عمامة يلف بها رأسه، وعباءة يلتحف بها.

وعن الحسن وابن سيرين: ثوبان ثوبان.

وروى ابن مردويه عن عائشة

" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿ أو كسوتهم ﴾ قال: عباءة لكل مسكين "

قال ابن كثير: حديث غريب.

أقول: لا يخفى الاحتياط والأخذ بالأكل والأفضل في الإطعام والكسوة.

الرابع: قال الرازي: المراد ب (الرقبة) الجملة. قيل: الأصل في هذا المجاز أن الأسير في العرب كان يجمع يداه إلى رقبته بحبل. فإذا أطلق حل ذلك الحبل. فسمي (الإطلاق من الرقبة) فك الرقبة. ثم جرى ذلك على العتق. وقد أخذ بإطلاقها أبو حنيفة فقال: تجزئ الكافرة كما تجزئ المؤمنة. وقال الشافعي وآخرون: لا بد أن تكون مؤمنة. وأخذ تقييدها من كفارة القتل لاتحاد الموجب، وإن اختلف السبب. ومن حديث معاوية بن الحكم السلمي - الذي هو في (موطأ مالك) و (مسند الشافعي) و (صحيح مسلم) - أنه ذكر أنه عليه عتق رقبة.

" وجاء معه بجارية سوداء. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أين الله؟ " قالت: في السماء. قال: " من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله. قال: " أعتقها فإنها مؤمنة... "

الحديث بطوله.

قال الشعراني، قدس سره، في (الميزان): قال العلماء: عدم اعتبار الإيمان في الرقبة مشكل؛ لأن العتق ثمرته تخليص رقبة لعبادة الله عز وجل.

فإذا أعتق رقبة كافرة فإنما خلصها لعبادة إبليس. وأيضا فإن العتق قربة، ولا يحسن التقرب إلى الله تعالى بكافر. انتهى.

الخامس: للعلماء في حد الإعسار الذي يبيح الانتقال إلى الصوم أقوال. وظاهر الآية هو ألا يملك قدر إحدى الكفارات الثلاث - من الإطعام أو الكسوة أو العتق - فإن وجد قدر إحداها كان ذلك مانعا من الصوم، اللهم إذا فضل عن قوته وقوت عياله في يومه ذلك.

وقد روى ابن جرير عن سعيد بن جبير والحسن أنهما قالا: من وجد ثلاثة دراهم لزمه الإطعام، وإلا صام.

السادس: إطلاق قوله تعالى: ﴿ فصيام ثلاثة أيام ﴾ صادق على المجموعة والمفرقة. كما في قضاء رمضان. لقوله:

فعدة من أيام أخر

[البقرة: 184-185]. ومن أوجب التتابع استدل بقراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود أنهما كانا يقرءان: " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " وقراءتهما لا تتخلف عن روايتهما.

قال الأعمش: كان أصحاب ابن مسعود يقرؤونها كذلك.

قال ابن كثير: وهذه، إذا لم يثبت كونها قرآنا متواترا، فلا أقل أن يكون خبر واحد أو تفسيرا من الصحابة. وهو في حكم المرفوع.

وروى ابن مردويه عن ابن عباس قال:

" لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة: يا رسول الله! نحن بالخيار؟ قال: " أنت بالخيار. إن شئت أعتقت. وإن شئت كسوت. وإن شئت أطعمت. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات "

قال ابن كثير: وهذا حديث غريب جدا.

ونقل بعض الزيدية، رواية عن ابن جبير، أنه كان يصلي تارة بقراءة ابن مسعود وتارة بقراءة زيد.

السابع: قال الناصر في (الانتصاف): في هذه الآية - يعني قوله تعالى: ﴿ ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ﴾ - وجه لطيف المأخذ في الدلالة على صحة وقوع الكفارة بعد اليمين وقبل الحنث، وهو المشهور من مذهب مالك. وبيان الاستدلال بها أنه جعل ما بعد الحلف ظرفا لوقوع الكفارة المعتبرة شرعا. حيث أضاف (إذا) إلى مجرد الحلف؛ وليس في الآية إيجاب الكفارة حتى يقال: قد اتفق على أنها إنما تجب بالحنث. فتعين تقديره مضافا إلى الحلف، بل إنما نطقت بشرعية الكفارة ووقوعها على وجه الاعتبار. إذ لا يعطي قوله: ﴿ ذلك كفارة أيمانكم ﴾ إيجابا، إنما يعطي صحة واعتبارا. والله أعلم.

محاسن التأويل · الصفحة ٩٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٩٢٤