وقال القاضي: لا تحرموا الحلال بفعل يصدر منكم، كالبياعات الربوية وخلط الحلال بالمغصوب والطاهر بالنجس.
ثم قال: ويتعلق بهذا أمران: الأول: إذا حرم الحلال، هل يجب عليه الحنث والرجوع؟ قلنا: ظاهر الآية يدل على ذلك، ويلزم مع ذلك التوبة. الأمر الثاني: هل يلزمه في ذلك كفارة؟ قلنا: هذه الآية قد يستدل بها على اللزوم؛ لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه. وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء. انتهى.
وقال ابن كثير: ذهب الشافعي إلى أنه من حرم مأكلا أو ملبسا أو شيئا، ما عدا النساء، أنه لا يحرم عليه، ولا كفارة عليه أيضا. لإطلاق هذه الآية. ولأن الذي حرم اللحم على نفسه - كما في الحديث المتقدم - لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة.
وذهب آخرون - منهم الإمام أحمد - إلى أن من حرم شيئا - مما ذكر - فإنه يجب عليه كفارة يمين، كما إذا التزم تركه باليمين. فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه على نفسه إلزاما له بما التزمه، كما أفتى بذلك ابن عباس، وكما في قوله تعالى:
يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم
[التحريم: 1]، ثم قال:
قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم...
[التحريم: 2].. الآية، وكذلك هنا. لما ذكر هذا الحكم عقبه بالآية المبينة لتكفير اليمين، فدل على أن هذا منزل منزلة اليمين في اقتضاء التكفير. والله أعلم.
وفي (زاد المعاد) لابن القيم فصل مهم في حكم من حرم أمته أو زوجته أو متاعه. تنبغي مراجعته.
الثالث: هذه الآية أصل في ترك التنطع والتشدد في التعبد - كذا في (الإكليل).
قال ابن جرير: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء، مما أحل الله لعباده المؤمنين، على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح؛ ولذلك رد النبي صلى الله عليه وسلم التبتل على عثمان بن مظعون. فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده. وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب الله إليه عباده، وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون. إذ كان خير الهدى هدى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم... فإذا كان ذلك كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان، إذا قدر على لباس ذلك من حله. وآثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النساء.
. قال: فإن ظن ظان أن الفضل في غير الذي قلنا - في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس وصرف ما فضل منهما من القيمة إلى أهل الحاجة - فقد ظن خطأ. وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربها، ولا شيء أضر على الجسم من المطاعم الرديئة. لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سببا إلى طاعته.. انتهى.
وللرازي هنا مبحث جيد في حكمة هذا النهي، مؤيد لما ذكر. فليراجع فإنه نفيس.
وقد أخرج الترمذي عن عائشة قالت:
" كان رسول الله يحب الحلواء والعسل. وله عن أبي هريرة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع - وكانت تعجبه - فنهش منها. قالت عائشة: ما كان الذراع أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبا، وكان يعجل إليه الذراع لأنه أعجلها نضجا "
أخرجه الترمذي.
وحكى الزمخشري عن الحسن أنه دعي إلى طعام ومعه فرقد السبخي وأصحابه. فقعدوا على المائدة - وعليها الألوان من الدجاج والفالوذ وغير ذلك - فاعتزل فرقد ناحية، فسأل الحسن: أهو صائم؟ قالوا: لا ولكنه يكره هذه الألوان، فأقبل الحسن عليه وقال: يا فريقد! أترى لعاب النحل، بلباب البر، بخالص السمن، يعيبه مسلم؟
وعنه: أنه قيل له: فلان لا يأكل الفالوذ ويقول: لا أؤدي شكره قال: أفيشرب الماء البارد؟ قالوا: نعم، قال: إنه جاهل. إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته في الفالوذ.