تنبيهات
الأول: ظاهر الآية جواز نكاح الكتابية: وهذا مذهب الفقهاء والمفسرين. ورواية عن زيد والصادق والباقر, واختاره الإمام يحيى وقال: إنه إجماع الصدر الأول من الصحابة, وأن عثمان بن عفان تزوج نائلة بنت الفرافصة على نسائه, وهي نصرانية. وأن طلحة بن عبيد الله تزوج يهودية. كذا نقله المفسرون.
وروى البيهقي وعبد الرزاق وابن جرير عن عمر أنه قال: المسلم يتزوج النصرانية ولا يتزوج النصراني المسلمة. وروى عبد الرزاق أيضا عن سعيد بن المسيب؛ أن عمر بن الخطاب كتب إلى حذيفة بن اليمان وهو بالكوفة, ونكح امرأة من أهل الكتاب, فكتب: أن فارقها فإنك بأرض المجوس, فإني أخشى أن يقول الجاهل: قد تزوج صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كافرة! ويحلل الرخصة التي كانت من الله عز وجل فيتزوجوا نساء المجوس... ففارقها.
وروى عبد الرزاق والبيهقي عن قتادة: أن حذيفة نكح يهودية، فقال عمر: طلقها فإنها جمرة. فقال: أحرام هي؟ قال: لا، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن.
وروى عبد الرزاق عن زيد بن وهب قال: كتب عمر بن الخطاب: إن المسلم ينكح النصرانية، والنصراني لا ينكح المسلمة. وروي أيضا عن جابر قال: نساء أهل الكتاب لنا حل، ونساؤنا عليهم حرام. وروي أيضا عن معمر عن الزهري قال: نكح رجل من قومي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم امرأة من أهل الكتاب. وروي عن ابن عمر كراهية ذلك. ويحتج بقوله تعالى:
ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن
[البقرة: 221]. وكان يقول: لا أعلم شركا أعظم من قولها: إن ربها عيسى. وأجاب الجمهور بأنه عام خص بهذه الآية, إن قيل بدخول الكتابيات في عموم المشركات, وإلا, فلا معارضة بين الآيتين؛ لأن أهل الكتاب قد انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع؛ كقوله تعالى:
لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة
[البينة: 1]. وكقوله:
وقل للذين أوتوا الكتب والأميين أأسلمتم
[آل عمران: 20].
الثاني: استدل بعموم الآية من جوز نكاح الحربيات الكتابيات. وروي عن ابن عباس: أن الإذن في الذميات خاصة، ويقرأ:
قاتلوا الذين
[التوبة: 29] - إلى قوله -
حتى يعطوا الجزية
[التوبة: 29]. قال: فمن أعطى، حل. ومن لا، فلا. وهذا الاستدلال دقيق جدا. فليتأمل!.
الثالث: قال المهايمي: لما اعتبر في طعام أهل الكتاب شبهة بالطيب - كما قدمنا - اعتبر في باب النكاح، فأحل المحصنات منهم، واحتمل كفرهن لأنه إنما لم يحتمل كفر غيرهم لأنهم يدعون إلى النار. وهؤلاء لما اعترفوا بأصل النبوة، ولا شبهة لهم في نفي أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فضلا عن حجة ضعفت دعوتهم إليها، فلم يعتد بها. على أن الرجل مستول على المرأة، فلا تؤثر فيه تأثير الرجل. فلذلك لم يصح تزويج المسلمة بالكتابي، على أن فيه إذلالا للمسلمة فلا تحتمل.
الرابع: ذهب ثلة من العترة الطاهرة إلى أن المراد من ﴿ والمحصنت ﴾: المؤمنات منهن. ذهابا إلى تحريم نكاح الكافرة. قال بعض مفسري الزيدية، بعد أن ساق مذهب الأكثرين المتقدم. وقال القاسم والهادي والنفس الزكية ومحمد بن عبد الله وعامة القاسمية - وهو مروي عن ابن عمر: أنه لا يجوز لمسلم نكاح كافرة، كتابية كانت أو غيرها، واحتجوا بقوله في سورة البقرة:
ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن
[البقرة: 221]. قالوا - يعني: الأكثرين: هذا في المشركات لا في الكتابيات؛ قلنا: اسم الشرك ينطلق على أهل الكتاب بدليل قوله تعالى:
اتخذوا أحبارهم ورهبانهم
[التوبة: 31] إلى قوله:
سبحانه عما يشركون
[التوبة: 31]. وعن ابن عمر: لا أعلم شركا أعظم من قول النصرانية: إنه ربها عيسى. وعن عطاء: قد كثر الله المسلمات، وإنما رخص لهم يومئذ. قالوا: إن تعالى عطف أحدهما على الآخر فدل على أنهما غيرين، حيث قال تعالى: