لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة
[البينة: 1] قلنا: هذا كقوله تعالى:
الوصية للوالدين والأقربين
[البقرة: 180]. قالوا: الآية مصرحة بالجواز في قوله: ﴿ والمحصنت من الذين أوتوا الكتب ﴾. قلنا: في سورة النور
الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين
[النور: 26]، وقوله في سورة النساء:
ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنت المؤمنت فمن ما ملكت أيمنكم
[النساء: 25]. فشرط الإيمان في هذا يقضي بالتحريم، فتتأول هذه الآية: أنه أراد المحصنات من أهل الكتاب اللاتي قد أسلمن؛ لأنهم كانوا يتكرهون ذلك، فسماهن باسم ما كن عليه. وقد ورد مثل هذا في كتاب الله تعالى قال الله تعالى:
الذين آتيناهم الكتب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به
[البقرة: 121]، وقوله تعالى:
الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم
[البقرة: 146، والأنعام: 20]، وقوله تعالى:
وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله
[آل عمران: 199]. قالوا: سبب النزول وفعل الصحابة: يدل على الجواز، وإنا نجمع بين الآيات الكريمة فنقول: قوله:
ولا تنكحوا المشركات
[البقرة: 221] عام نخصه بقوله تعالى: ﴿ والمحصنت من الذين أوتوا الكتب ﴾؛ أو نقول: أراد ب
المشركات
[البقرة: 221] الوثنيات وب ﴿ والمحصنت من الذين أوتوا الكتب ﴾ ما أفاده الظاهر، أو يكون قوله: ﴿ والمحصنت... ﴾ ناسخا لتحريم الكتابيات بقوله:
ولا تنكحوا المشركات
[البقرة: 221]. قلنا: نقابل ما ذكرتم بما روي؛ أن كعب بن مالك أراد أن يتزوج بيهودية أو نصرانية، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال:
" إنها لا تحصن ماءك "
وروي أنه نهاه عن ذلك. وبأنا نتأول قوله تعالى: ﴿ والمحصنت من الذين أوتوا الكتب ﴾ فنجمع ونقول: تخصيص المشركات ب ﴿ والمحصنت من الذين أوتوا الكتب ﴾ متراخ, والبيان لا يجوز أن يتراخى! قالوا: روى جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" أحل لنا ذبائح أهل الكتاب وأحل لنا نساءهم. وحرم عليهم أن يتزوجوا نساءنا "
قال في (الشفا): قال علماؤنا: هذا حديث ضعيف النقل. قالوا: قوله صلى الله عليه وسلم في المجوس:
" سنوا بهم سنة أهل الكتاب "
الخبر أفاد جواز ذبائحهم ونكاح نسائهم. قلنا: الجواز منسوخ بأدلة التحريم، ثم إنا نقوي أدلتنا بالقياس فنقول: كافرة فأشبهت الحربية، أو لما حرمت الموارثة حرمت المناكحة، أو لما حرم نكاح الكافر للمسلمة حرم العكس. قالوا: لا حكم للاعتبار مع الأدلة. انتهى بحروفه، وهو فقه غريب.
وقوله تعالى: ﴿ إذا ءاتيتموهن أجورهن ﴾ أي: أعطيتموهن مهورهن. وتقييد الحل بإيتائها، لتأكيد وجوبها والحث على ما هو الأولى، مبادرة لفراغ الذمة. فإن شغل الذمة بحق الآدمي أشد من شغلها بحق الله تعالى ﴿ محصنين ﴾: متعففين ﴿ غير مسفحين ﴾ أي: غير مجاهرين بالزنى: ﴿ ولا متخذي أخدان ﴾ مسرين به، (والخدن): الصديق، يقع على الذكر والأنثى. وحمل المسافحة على إظهار الزنى لظهور مقابله في الإسرار، لتبادره من الخدن وهو الصديق. وقيل: الأول: نهي عن الزنى، والثاني: نهي عن مخالطتهن. كذا في (العناية).
قال ابن كثير: كما شرط الإحصان في النساء -وهي العفة عن الزنى - كذلك شرطها في الرجال، وهو أن يكون الرجل أيضا محصنا عفيفا، ولهذا قال: ﴿ غير مسفحين ﴾ وهم الزنات الذين لا يرتدعون عن معصية ولا يردون أنفسهم عمن جاءهم ﴿ ولا متخذي أخدان ﴾ أي: ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إلا معهن، كما تقدم في سورة النساء، سواء. ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - إلى أنه لا يصح نكاح المرأة البغي حتى تتوب، وما دامت كذلك لا يصح تزويجها من رجل عفيف. وكذلك لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب ويقلع عما هو فيه من الزنى، لهذه الآية وللحديث: