تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين

[النور: 3]. ولما أخرجه أحمد بإسناد رجاله ثقات، والطبراني في (الكبير) و (الأوسط) من حديث عبد الله ابن عمرو:

" أن رجلا من المسلمين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة يقال لها أم مهزول، كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه. فقرأ عليه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ﴿ والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك ﴾ [النور: 3] "

وأخرج أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه، من حديث ابن عمر:

" أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغي يقال لها عناق، وكانت صديقته. قال: فجئت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكح عناقا؟ قال، فسكت عني. فنزلت الآية: ﴿ والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك ﴾ [النور: 3] فدعاني فقرأها علي وقال: " لا تنكحها "

وأخرج أحمد وأبو داود بإسناد رجاله ثقات, من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله "

قال ابن القيم: أخذ بهذه الفتاوي - التي لا معارض لها - الإمام أحمد ومن وافقه - وهي من محاسن مذهبه - فإنه يجوز أن ينكح الرجل زوجا تحبه. ويعضد مذهبه بضعة وعشرون دليلا قد ذكرناها في موضع آخر.

وأخرج ابن ماجة والترمذي وصححه, من حديث عمرو بن الأحوص, أنه شهد حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال:

" استوصوا في النساء خيرا، فإنما هن عندكم عوان، ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن, فاهجروهن في المضاجع, واضربوهن ضربا غير مبرح, فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا "

وأخرج أبو داود والنسائي, من حديث ابن عباس قال:

" جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي لا تمنع يد لامس, قال: " غربها " قال: أخاف أن تتبعها نفسي. قال: " فاستمتع بها " "

قال المنذري: ورجال إسناده محتج بهم في الصحيحين.

قال ابن القيم: عورض بهذا الحديث المتشابه, الأحاديث المحكمة الصريحة في المنع من تجويز البغايا، واختلفت مسالك المحرمين لذلك فيه, فقالت طائفة: المراد ب (اللامس) ملتمس الصدقة لا ملتمس الفاحشة. وقالت طائفة: بل هذا في الدوام غير مؤثر، وإنما المانع ورود العقد على الزانية، فهذا هو الحرام. وقالت طائفة: بل هذا من التزام أخف المفسدتين لدفع أعلاهما، فإنه لما أمر بمفارقتها خاف من أن لا يصبر عنها فيواقعها حراما, فأمره حينئذ بإمساكها، إذ مواقعتها بعقد النكاح أقل فسادا من مواقعتها بالسفاح. وقالت طائفة: بل الحديث ضعيف لا يثبت. وقالت طائفة: ليس في الحديث ما يدل على أنها زانية، وإنما فيه أنها لا تمنع ممن يمسها أو يضع يده عليها أو نحو ذلك, فهي تعطي الليان لذلك، ولا يلزم أن تعطيه الفاحشة الكبرى، ولكن هذا لا يؤمن معه إجابتها الداعي إلى الفاحشة، فأمره بفراقها, تركا لما يريبه إلى ما لا يريبه. فلما أخبره بأن نفسه تتبعها, وأنه لا صبر له عنها, رأى مصلحة إمساكها أرجح المسالك. والله تعالى أعلم. وتتمة البحث في ذلك يأتي إن شاء الله تعالى في سورة النور.

فائدة

أفتى جابر بن عبد الله وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي والحسن والبصري بأن الرجل إذا نكح امرأة فزنت قبل دخوله بها, أنه يفرق بينهما وترد عليه ما بذل لها من المهر. رواه ابن جرير عنهم.

﴿ والمحصنت من الذين أوتوا الكتب من قبلكم ﴾ أي: هن أيضا حل لكم. والجمهور: علي أن المراد ب (المحصنات) العفائف عن الزنى, كما قدمنا.

قال ابن كثير: وهو الأشبه، لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية وهي مع ذلك غير عفيفة, فيفسد حالها بالكلية, ويتحصل زوجها على ما قيل, حشفا وسوء كيلة.

وحكى ابن جرير عن طائفة من السلف - ممن فسر (المحصنات) بالعفيفات؛ أن الآية تعم كل كتابية عفيفة. سواء كانت حرة أو أمة. ومن فسرها ب (الحرائر) قال: لا يصح نكاح الأمة الكتابية بحال, إذ لا يحتمل عار الكفر مع عار الرق, على أنه يؤدي إلى استرقاق الكافر ولد المسلم.

محاسن التأويل · الصفحة ٨١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٨١١