تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" لا تصحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي "

فمحمول على الندب والاستحباب، والله أعلم. انتهى.

وقال الرازي: أي: ويحل لكم أن تطعموهم من طعامكم؛ لأنه لا يمتنع أن يحرم الله أن نطعمهم من ذبائحنا. وأيضا فالفائدة في ذكر ذلك أن إباحة المناكحة غير حاصلة في الجانبين، وإباحة الذبائح كانت حاصلة في الجانبين، لا جرم ذكر الله تعالى ذلك تنبيها على التمييز بين النوعين. انتهى.

وقال البرهان البقاعي في (تفسيره): وقوله تعالى: ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم ﴾ أي: تناوله لحاجتكم إلى مخالطتهم، للإذن في إقرارهم على دينهم بالجزية. ولما كان هذا مشعرا بإبقائهم على ما اختاروا لأنفسهم زاده تأكيدا بقوله: ﴿ وطعامكم حل لهم ﴾ أي: فلا عليكم في بذله لهم، ولا عليهم في تناوله. انتهى.

وفي (أمالي) الإمام السهيلي رحمه الله تعالى: قيل: ما الحكمة في هذه الجملة وهم كفار لا يحتاجون إلى بياننا؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن المعنى: انظروا إلى ما أحل لكم في شريعتكم، فإن أطعموكموه فكلوه، ولا تنظروا إلى ما كان محرما عليهم، فإن لحوم الإبل ونحوها كانت محرمة عليهم، ثم نسخ ذلك في شرعنا. والآية بيان لنا لا لهم. أي: اعلموا أن ما كان محرما عليهم، مما هو حلال لكم، قد أحل لهم أيضا. ولذلك لو أطعمونا خنزيرا أو نحوه وقالوا: هو حلال في شريعتنا، وقد أباح الله لكم طعامنا - كذبناهم وقلنا: إن الطعام الذي يحل لكم هو الذي يحل لنا، لا غيره. فالمعنى: طعامهم حل لكم، إذا كان الطعام الذي أحللته لكم. وهذا التفسير معنى قول السدي وغيره.

الثاني: للنحاس والزجاج والنقاش وكثير من المتأخرين؛ أن المعنى: جائز لكم أن تطعموهم من طعامكم، لا أن يبين لهم ما يحل لهم في دينهم، لأن دينهم باطل.

إلا أنه لم يقل: وإطعامكم، بل (طعامكم) - والطعام المأكول - وأما الفعل فهو الإطعام. فإن زعموا أن (الطعام) يقوم مقام (الإطعام) توسعا، قلنا: بقي اعتراض آخر: وهو الفصل بين المصدر وصلته بخبر المبتدأ وهو ممتنع بالإجماع، لا يجيزون (إطعام زيد حسن للمساكين) ولا (ضربك شديد زيدا) فكيف جاز (وطعامكم حل لهم)؟ انتهى.

قال الناصر في (الانتصاف): وقد يستدل بهذه الآية من يرى الكفار مخاطبين بفروع الشريعة؛ لأن التحليل حكم وقد علقه بهم في قوله: ﴿ وطعامكم حل لهم ﴾ كما علق الحكم بالمؤمنين. وهذه الآية أبين في الاستدلال بها من قوله:

لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن

[الممتحنة: 10] فإن لقائل أن يقول: في تلك الآية نفي الحكم ليس بحكم، ولا يستطيع ذلك في آية (المائدة) هذه؛ لأن الحكم فيها مثبت، والله أعلم.

ثم قال: ولما استشعر الزمخشري دلالتها على ذلك، وهو من القائلين بأن الكفار يستحيل خطابهم بفروع الشريعة - أسلف تأويلها بصرف الخطاب إلى المؤمنين، أي: لا جناح عليكم - أيها المسلمون - أن تطعموا أهل الكتاب. انتهى.

﴿ والمحصنت من المؤمنت ﴾ عطف على (الطيبات) أو مبتدأ حذف خبره لدلالة ما قبله عليه، أي: حل لكم. والمراد ب (المحصنات) العفيفات عن الزنى، كما قال تعالى في الآية الأخرى:

محصنت غير مسفحت ولا متخذت أخدان

[النساء: 25] وهو المروي عن الحسن والشعبي وسفيان وإبراهيم ومجاهد. وحكى ابن جرير رواية أخرى عن مجاهد أنه قال: المحصنات: الحرائر، فقيل: عني بهن غير الإماء. وقيل: أراد بهن العفيفات، كقول الجمهور. وذلك لأن الحر يطلق على خلاف العبد، وعلى خيار كل شيء، كما في (القاموس).

قال الزمخشري: وتخصيصهن بعث على تخير المؤمنين لنطفهم، والإماء من المسلمات يصح نكاحهن بالاتفاق، وكذلك نكاح غير العفائف منهن. انتهى.

أقول: جواز نكاح الأمة موقوف على خوف العنت وعدم طول الحرة، لآية:

ومن لم يستطع منكم طولا...

[النساء: 25] إلخ وأما نكاح غير العفيفة فأجازه الأكثرون. وذهب الإمام أحمد إلى تحريم نكاح الزانية على زان وغيره، حتى تتوب وتنقضي عدتها؛ لقوله تعالى:

محاسن التأويل · الصفحة ٨١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٨١٠