تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وروي ذلك مرفوعا أيضا. أخرج أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابيا، يقال له أبو ثعلبة، قال:

" يا رسول الله! إن لي كلابا مكلبة فأفتني في صيدها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن كان لك كلاب مكلبة، فكل مما أمسكن عليك ". فقال: ذكي وغير ذكي، وإن أكل منه؟ قال: " نعم وإن أكل منه ". فقال: يا رسول الله، أفتني في قوسي! فقال: " كل ما ردت عليك قوسك ". قال: ذكي وغير ذكي؟ قال: " وإن تغيب عنك ما لم يضل أو تجد فيه أثرا غير سهمك ". قال: أفتني في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها. قال: " اغسلها وكل فيها "

هكذا رواه أبو داود وقد أخرجه النسائي. وكذا رواه أبو داود عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله، فكل وإن أكل منه، وكل ما ردت عليك يدك ".

وقد احتج بما ذكرنا من لم يحرم الصيد بأكل الكلب وما أشبهه، وقد توسط آخرون فقالوا: إن أكل عقب ما أمسكه فإنه يحرم.

لحديث عدي، وللعلة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم. وأما إن أمسكه. ثم انتظر صاحبه، فطال عليه، وجاع فأكل منه لجوعه، فإنه لا يؤثر في التحريم. وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة. وهذا تفريق حسن، وجمع بين الحديثين، صحيح.

وقد تمنى الأستاذ أبو المعالي الجويني في كتابه (النهاية): أن لو فصل مفصل هذا التفصيل. وقد حقق الله أمنيته، وقال بهذا القول والتفريق طائفة من الأصحاب. أفاده ابن كثير.

قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): وسلك الناس في الجمع بين حديث عدي وأبي ثعلبة طرقا منها للقائلين بالتحريم: الأولى: حمل حديث أبي ثعلبة الأعرابي على ما إذا قتله وخلاه ثم عاد فأكل منه، والثانية: الترجيح، فرواية عدي في الصحيحين ورواية الأعرابي في غيرهما. ومختلف في تضعيفها. وأيضا، فرواية عدي صريحة مقرونة بالتعليل المناسب للتحريم. وهو خوف الإمساك على نفسه، متأيد بأن الأصل في الميتة التحريم. فإذا شككنا في السبب المبيح، رجعنا إلى الأصل ولظاهر الآية المذكورة، فإن مقتضاها أن الذي تمسكه من غير إرسال لا يباح. ويتقوي أيضا بالشواهد من حديث ابن عباس عند أحمد: إذا أرسلت الكلب فأكل الصيد، فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، فإذا أرسلته فقتله ولم يأكل، فكل، فإنما أمسك على صاحبه. وأخرجه البزار من وجه آخر عن ابن عباس، وابن أبي شيبة من حديث أبى رافع، نحوه بمعناه. ولو كان مجرد الإمساك كافيا لما احتيج إلى زيادة (عليكم) في الآية. وأما القائلون بالإباحة، فحملوا حديث عدي على كراهة التنزيه، وحديث الأعرابي على بيان الجواز. قال بعضهم: ومناسبة ذلك أن عديا كان موسرا. فاختير له الحمل على الأولى. بخلاف أبي ثعلبة، فإنه كان بعكسه. ولا يخفي ضعف هذا التمسك، مع التصريح بالتعليل في الحديث لخوف الإمساك على نفسه. وقد وقع في رواية لابن أبي شيبة: إن شرب من دمه فلا تأكل فإنه لم يعلم ما علمته. وفي هذا إشارة إلى أنه إذا شرع في أكله، دل على أنه ليس يعلم التعليم المشترط.

الرابع: في الآية مشروعية التسمية. قال ابن كثير: قوله تعالى: ﴿ واذكروا اسم الله عليه ﴾ ، أي: عند إرساله له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم:

" إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك "

وفي حديث أبي ثعلبة المخرج في (الصحيحين) أيضا:

" إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، وإذا رميت بسهمك "

ولهذا اشترط من اشترط من الأئمة، كالإمام أحمد رحمه الله، في المشهور عنه، التسمية عند إرسال الكلب والرمي بالسهم لهذه الآية وهذا الحديث. وهذا القول هو المشهور عند الجمهور أن المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الإرسال.

كما قال السدي وغيره. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، في هذه الآية:

محاسن التأويل · الصفحة ٨٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٨٠٥