وقال الطيبي: قوله: " أمة من الأمم " إشارة إلى قوله تعالى:
وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم
[الأنعام: 38]. أي: أمثالكم في كونها دالة على الصانع ومسبحة له. قال تعالى:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44]. أي: يسبح بلسان المقال أو الحال. حيث يدل على الصانع وعلى قدرته وحكمته وتنزيهه عما لا يجوز عليه، فبالنظر إلى هذا المعنى، لا يجوز التعرض لها بالقتل والإفناء. ولكن إذا كان لدفع مضرة - كقتل الفواسق الخمس - أو جلب منفعة - كذبح الحيوانات المأكولة - جاز ذلك.
الثاني: ذهب جمهور الصحابة والتابعين والأئمة إلى أن الجوارح التي يحل صيدها، ما قبل التعليم من ذي ناب (كالكلب والفهد والنمر) أو ذي مخلب (كالطيور المذكورة قبل). قال في (النهاية): حتى الهر إن تعلم، واحتجوا بعموم الآية.
وروى أحمد وأبو داود عن مجالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" " ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه، فكل ما أمسك عليك ". قلت: وإن قتل؟ قال: " وإن قتل ولم يأكل منه شيئا. فإنه أمسكه عليك " BR> ".
قال البيهقي: تفرد مجالد بذكر الباز فيه، وخالف الحفاظ.
أقول: روى ابن جرير بالمسند المذكور إلى عدي قال:
" سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي؟ فقال: " ما أمسك عليك فكل "
وعن ابن عمر ومجاهد:
" لا يحل إلا صيد الكلب فقط "
وروى ابن جرير بسنده، أن ابن عمر قال: أما ما صاد من الطير (والبراة من الطير) فما أدركت فهو لك، وإلا فلا تطعمه. وقال ابن أبي حاتم: كره مجاهد صيد الطير كله، وقرأ قوله: ﴿ وما علمتم من الجوارح مكلبين ﴾ أي: فإن قوله تعالى: ﴿ مكلبين ﴾ يشير إلى قصر ذلك على الكلب. وقال الحسن البصري والنخعي وأحمد وإسحاق: يحل من كل شيء إلا الكلب الأسود البهيم. لأنه قد أمر بقتله.
الثالث: قدمنا أن انتصاب ﴿ مكلبين ﴾ على الحال من ﴿ علمتم ﴾ ، قال ابن كثير: ويحتمل أن يكون حالا من المفعول وهو (الجوارح) أي: وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلبات للصيد. وذلك أن تصيد بمخالبها وأظفارها. فيستدل بذلك، والحالة هذه، على أن الجارح إذا قتل الصيد بصدمته وبمخالبه وظفره، أنه لا يحل. كما هو أحد قولي الشافعي وطائفة من العلماء، ولهذا قوله: ﴿ تعلمونهن مما علمكم الله ﴾ وهو أنه إذا أرسله استرسل، وإذا استشلاه استشلي، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه، ولا يمسكه لنفسه. ولهذا قال تعالى: ﴿ فكلوا ممآ أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ﴾ ، فمتى كان الجارح معلما وأمسك على صاحبه - وكان قد ذكر اسم الله عليه وقت إرساله - حل الصيد وإن قتله، بالإجماع.
وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة. كما ثبت في (الصحيحين) عن عدي بن حاتم قال: قلت:
" يا رسول الله، إني أرسل الكلاب المعلمة، وأذكر اسم الله؟ فقال: " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك ". قلت: وإن قتلن؟ قال: " وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها. فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره ". قلت له: فإني أرمي بالمعراض الصيد؟ فقال: " إذا رميت بالمعراض الصيد فخزق فكله، فإن أصابه بعرض، فإنه وقيذ، فلا تأكله " ".
وفي لفظ لهما:
" إذا أرسلت كلبك فاذكر الله، فإن أمسك عليك فأدركته حيا، فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه. فكله. وإن أخذ الكلب ذكاته "
وفي رواية لهما:
" فإن أكل فلا تأكله، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه "
فهذا دليل للجمهور أنه إذا أكل الكلب من الصيد يحرم مطلقا، ولم يستفصلوا. كما ورد بذلك الحديث، وحكي عن طائفة من السلف أنهم قالوا: لا يحرم مطلقا؛ أكل أو لم يأكل.
روى ابن جرير عن سلمان الفارسي وأبي هريرة قالا: كل وإن أكل ثلثيه. وعن سعد بن أبي وقاص:... وإن أكل ثلثيه. وعنه:... وإن لم يبق إلا بضعة. وعن ابن عمر: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك؛ أكل أو لم يأكل. وحكاه عن علي وابن عباس وغير واحد من التابعين.