تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال ابن وهب: سئل مالك عن بيع الطين الذي يأكله الناس؟ فقال ليس هو من الطيبات. وروى ابن أبي حاتم في سبب نزولها أثرا آخر، عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب فقتلت، فجاء الناس فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت. فأنزل الله: ﴿ يسألونك... ﴾ الآية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

" إذا أرسل الرجل كلبه وسمى فأمسك عليه، فليأكل مما لم يأكل ".

وعند ابن جرير عن أبي رافع قال:

" جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليستأذن عليه، فأذن له. فقال: قد أذنا لك يا رسول الله! قال: " أجل. ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب ". قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة. حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها فتركته رحمة لها. ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته. فأمرني فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاؤوا فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ قال، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿ يسألونك... ﴾ "

الآية.

ورواه الحاكم في (مستدركه) وقال: صحيح ولم يخرجاه.

وروى ابن جرير أيضا عن عكرمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع في قتل الكلاب حتى بلغ العوالي. فجاء عاصم بن عدي وسعيد بن خيثمة وعويمر بن ساعدة فقالوا: ماذا أحل لنا يا رسول الله؟ فنزلت الآية. ورواه الحاكم أيضا عن عكرمة. وكذا قال محمد بن كعب القرظي في سبب نزولها: أنه في قتل الكلاب - أفاده ابن كثير.

قال بعض المفسرين: لما نزلت الآية، أذن صلى الله عليه وسلم في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها، ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه منها. وأمر بقتل العقور وما يضر. انتهى.

أقول: روى الإمام أحمد ومسلم عن جابر قال:

" أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب. حتى أن المرأة تقدم من البادية بكلبها فتقتله، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلها وقال: " عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان " ".

وروى الشيخان عن ابن عمر:

" أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، إلا كلب صيد أو كلب غنم أو ماشية ".

وعن عبد الله بن المغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها كلها. فاقتلوا منها كل أسود بهيم "

رواه أبو داود والدارمي، وزاد الترمذي والنسائي:

" وما من أهل بيت يرتبطون كلبا إلا نقص من عملهم كل يوم قيراط. إلا كلب صيد أو كلب حرث أو كلب غنم ".

وظاهر هذه الأحاديث، أنه صلى الله عليه وسلم كان أمر بقتلها كلها. ثم رخص في استبقائها. إلا أن الأسود فإنه مستحق القتل.

وقول إمام الحرمين: ثم استقر الشرع على النهي عن قتل جميع الكلاب حيث لا ضرر فيها حتى الأسود البهيم - يحتاج إلى برهان.

قال ابن عبد البر: في هذه الأحاديث إباحة اتخاذ الكلب للصيد والماشية. وكذلك للزرع. لأنها زيادة حافظ. وكراهة اتخاذها لغير ذلك. إلا أنه يدخل في معنى الصيد وغيره مما ذكر، اتخاذها لجلب المنافع ودفع المضار قياسا، فتمحض كراهة اتخاذها لغير حاجة، لما فيه من ترويع الناس، وامتناع دخول الملائكة إلى البيت الذي الكلاب فيه.

ثم قال: ووجه الحديث عندي؛ أن المعاني المتعبد بها في الكلاب. من غسل الإناء سبعا، لا يكاد يقوم بها المكلف ولا يتحفظ منها، فربما دخل عليه باتخاذها ما ينقص أجره من ذلك.

وروي أن المنصور بالله سأل عمرو بن عبيد عن سبب هذا الحديث؟ فلم يعرفه. فقال المنصور: لأنه ينبح الضيف ويروع السائل. انتهى.

وقال الخطابي: معنى قوله صلى الله عليه وسلم:

" لولا أن الكلاب أمة من الأمم... "

الخ. أنه صلى الله عليه وسلم كره إفناء أمة من الأمم وإعدام جيل من الخلق، لأنه ما من خلق لله تعالى إلا وفيه نوع من الحكمة وضرب من المصلحة. يقول: إذا كان الأمر على هذا، ولا سبيل إلى قتلهن، فاقتلوا أشرارهن وهي السود البهم. وأبقوا ما سواها لتنتفعوا بهن في الحراسة.

محاسن التأويل · الصفحة ٨٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٨٠٣