تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم بين تعالى أكبر نعمه وأعظم مننه على هذه الأمة وهو: إكماله لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله تعالى خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه. فلما أكمل لهم الدين تمت عليهم النعمة. ولهذا قال: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ يعني أحكامه وفرائضه، فلا زيادة بعده. ولم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام. هذا ما روي عن ابن عباس. وقال سعيد بن جبير وقتادة: معنى (الإكمال) أنه لم يحج معهم مشرك. وخلا الموسم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين. وقيل: معناه كفايتهم أمر العدو، وجعل اليد العليا لهم، كما تقول الملوك: اليوم كمل لنا الملك وكمل لنا ما نريد، إذا كفوا من ينازعهم. وبما ذكرنا أولا - من أن المراد بالإكمال عدم الزيادة - يندفع ما يتوهم من ثبوت النقص أولا. ولذا قال ابن الأنباري (في الآية): ﴿ اليوم أكملت لكم ﴾ شرائع الإسلام على غير نقصان كان قبل هذا الوقت. وذلك أن الله تعالى كان يتعبد خلقه بالشيء في وقت ثم يزيد عليه في وقت آخر. فيكون الوقت الأول تاما في وقته، وكذلك الوقت الثاني تاما في وقته. فهو كما يقول القائل: عندي عشرة كاملة، ومعلوم أن العشرين أكمل منها.

والشرائع التي تعبد الله عز وجل بها عباده، في الأوقات المختلفة، مختلفة. وكل شريعة منها كاملة في وقت التعبد بها. فكمل الله عز وجل الشرائع في اليوم الذي ذكره - وهو يوم عرفة - ولم يوجب ذلك، أن الدين كان ناقصا في وقت من الأوقات.

وللإمام القفال نحو ذلك، نقله عنه الرازي واختاره، قال: إن الدين ما كان ناقصا البتة، بل كان أبدا كاملا. يعني: كانت الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت كافية في ذلك الوقت. إلا أنه تعالى كان عالما في أول وقت المبعث بأن ما هو كامل في هذا اليوم ليس بكامل في الغد ولا صلاح فيه. فلا جرم كان ينسخ بعد الثبوت. وكان يزيد بعد العدم. وأما في آخر زمان المبعث فأنزل الله شريعة كاملة، وحكم ببقائها إلى يوم القيامة، فالشرع أبدا كان كاملا. إلا أن الأول كمال إلى زمان مخصوص. والثاني كمال إلى يوم القيامة. فلأجل هذا قال: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾.

﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ يعني: بإكمال الدين والشريعة. لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام. أو بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين. وهدم منار الجاهلية ومناسكهم، وإن لم يحج معكم مشرك، ولم يطف بالبيت عريان. أو بإنجاز ما وعدهم بقوله:

ولأتم نعمتي عليكم

[البقرة: 15] فكان من تمام النعمة فتح مكة وما ذكرناه.

﴿ ورضيت لكم الإسلم دينا ﴾ يعني: اخترته لكم من بين الأديان، وآذنتكم بأنه هو الدين المرضي وحده.

ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه

[آل عمران: 85] أو معناه: الانقياد لأمري فيما شرعت لكم من الفرائض والأحكام والحدود ومعالم الدين الذي أكملته لكم. ومعلوم أن الإسلام لم يزل مرضيا للحق تعالى منذ القدم، إلا أن المعني به، في الآية، الصفة التي هو اليوم بها. وهي نهاية الكمال والبلوغ به أقصى درجاته. أي: فالزموه ولا تفارقوه:

إن الدين عند الله الإسلام...

[آل عمران: 19].

روى البغوي بسنده عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" قال جبريل: قال الله عز وجل: هذا دين ارتضيته لنفسي ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه ".

فوائد

الأولى: روى الإمام أحمد والشيخان وغيرهم عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، إنكم تقرأون آية في كتابكم، لو علينا، معشر اليهود، نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: وأي آية؟ قال: قوله: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ﴾. فقال عمر: والله! إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في يوم جمعة.

محاسن التأويل · الصفحة ٧٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٧٩٨