تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال ابن كثير: وقد روي هذا من غير وجه عن عمر. وروى ابن جرير عن قبيصة بن أبي ذئب قال: قال كعب: لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيدا يجتمعون فيه. فقال عمر: أي آية يا كعب؟ فقال: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾. فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت، والمكان الذي أنزلت فيه. نزلت في يوم جمعة ويوم عرفة. وكلاهما بحمد الله لنا عيد. وروى ابن جرير القصة أيضا عن ابن عباس، وأنه قال: نزلت يوم عيدين اثنين، يوم عيد ويوم جمعة... وروى ابن مردويه عن ابن الحنفية عن علي قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم عشية عرفة: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾. ورواه أيضا عن سمرة. وروى ابن جرير نحوه عن معاوية. وروي عن السدي قال: نزلت هذه الآية يوم عرفة، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات. فقالت أسماء بنت عميس: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الحجة، فبينما نحن نسير إذ تجلى له جبريل، فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم على الراحلة. فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن. فنزلت. فأتيته فسجيت عليه بردا كان علي.

وقال ابن جرير وغيره: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يوما.

وقال ابن جرير: حدثنا سفيان بن وكيع: حدثنا ابن فضيل عن هارون عن عنترة عن أبيه قال:

" لما نزلت: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ - وذلك يوم الحج الأكبر - بكى عمر. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ما يبكيك؟ " قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا. فأما إذ كمل، فإنه لم يكمل شيء إلا نقص. فقال: " صدقت " ".

قال ابن كثير: ويشد لهذا المعنى الحديث الثابت:

" إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء "

انتهى.

قلت: والحديث المذكور رواه مسلم عن أبي هريرة. والترمذي عن ابن مسعود. وابن ماجه عنهما أيضا وعن أنس. والطبراني عن سلمان وسهل وابن عباس.

هذا، وروى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس. ومن طريق أبي جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى حجة الوداع. وروى ابن مردويه من طريق أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري؛ أنها نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم، حين قال لعلي:

" من كنت مولاه فعلي مولاه "

ثم رواه عن أبي هريرة وفيه: إنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة - يعني مرجعه عليه الصلاة والسلام من حجة الوداع.

قال ابن كثير: ولا يصح لا هذا ولا هذا. بل الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية، أنها نزلت يوم عرفة وكان يوم جمعة. كما قدمنا عن عمر وعلي ومعاوية وابن عباس وسمرة رضي الله عنهم، وعن ثلة من التابعين.

الثانية: استدل نفاة القياس بهذه الآية، على أن القياس باطل. وذلك لأن الآية دلت على أنه تعالى قد نص على الحكم في جميع الوقائع. إذ لو بقي بعضها غير مبين الحكم لم يكن الدين كاملا، وإذا حصل النص في جميع الوقائع، فالقياس - إن كان على وفق ذلك النص - كان عبثا. وإن كان على خلافه كان باطلا.

وأجاب عنه مثبتو القياس بما بسطه الرازي. فانظره.

الثالثة: قال صاحب (فتح البيان): لا معنى للإكمال في الآية إلا وفاء النصوص بما يحتاج إليه الشرع. إما بالنص على كل فرد فرد، أو باندراج ما يحتاج إليه تحت العمومات الشاملة. ومما يؤيد ذلك قوله تعالى:

ما فرطنا في الكتب من شيء

[الأنعام: 38]. وقوله:

ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين

[الأنعام: 59] وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" تركتكم على الواضحة، ليلها كنهارها "

وجاءت نصوص الكتاب العزيز بإكمال الدين. وبما يفيد هذا المعنى، ويصحح دلالته، ويؤيد برهانه. ويكفي في دفع الرأي، وأنه ليس من الدين - قول الله تعالى هذا. فإنه إذا كان الله قد أكمل دينه قبل أن يقبض إليه نبيه صلى الله عليه وسلم، فما هذا الرأي الذي أحدثه أهله بعد أن أكمل الله دينه؟ لأنه إن كان من الدين - في اعتقادهم - فهو لم يكمل عندهم إلا برأيهم. وهذا فيه رد للقرآن. وإن لم يكن من الدين، فأي فائدة في الاشتغال بما ليس منه؟ وما ليس منه فهو رد بنص السنة المطهرة - كما ثبت في (الصحيح) - وهذه حجة قاهرة ودليل باهر لا يمكن أهل الرأي أن يدفعوه بدافع أبدا. فاجعل هذه الآية الشريفة أول ما تصك به وجوه أهل الرأي، وترغم به آنافهم، وتدحض به حجتهم. فقد أخبرنا الله في محكم كتابه أنه أكمل دينه. ولم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن أخبرنا بهذا الخبر عن الله عز وجل. فمن جاء بشيء من عند نفسه وزعم أنه من ديننا قلنا له: إن الله أصدق منك:

محاسن التأويل · الصفحة ٧٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٧٩٩