تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال ابن عباس (في قوم يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم): ما أرى من فعل ذلك، له عند الله من خلاق. وفي الأحاديث السابقة من الترهيب ما فيها من التصريح بأنه لا يجمع تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن، والتصريح بأنه كفر، وعن ابن مسعود مرفوعا:

" الطيرة شرك. الطيرة شرك. وما منا إلا... ولكن الله يذهبه بالتوكل "

رواه أبو داود والترمذي وصححه. وجعل آخره من قول ابن مسعود.

ولأحمد من حديث ابن عمرو: من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك. قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أن تقول: اللهم! لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك.

وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" " لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل ". قالوا: وما الفأل؟ قال: " الكلمة الطيبة "

رواه الشيخان.

ولأبي داود بسند صحيح عن عروة بن عامر قال:

" ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أحسنها الفأل ولا ترد مسلما. فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم! لا يأتي بالحسنات إلا أنت؛ ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك " ".

فائدة

قال الحافظ ابن كثير: قد أمر الله المؤمنين، إذا ترددوا في أمورهم، أن يستخيروه، بأن يعبدوه، ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه. كما رواه الإمام أحمد والبخاري. وأهل السنن من طرق عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور، كما يعلمنا السورة من القرآن. ويقول:

" إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم! إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم! إن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسميه باسمه) خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري (أو قال: عاجل أمري) وآجله فأقدره لي، ويسره لي ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي، ومعاشي، وعاقبة أمري، فاصرفني عنه واصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به "

هذا لفظ الإمام أحمد. ﴿ اليوم يئس ﴾ أي: قنط ﴿ الذين كفروا من دينكم ﴾ روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس؛ يعني: يئسوا أن يراجعوا دينهم. وكذا روي عن عطاء بن أبي رباح والسدي ومقاتل بن حيان. وعلى هذا المعنى يرد الحديث الثابت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن بالتحريش بينهم "

نقله ابن كثير. وعليه ف (من) تعليلية. أي: يئسوا من مراجعة دينهم لأجل دينكم الذي ضم إليه جمهور الأمة العربية من أدناها إلى أقصاها. ودخلوا فيه أفواجا.

وللزمخشري تأويل بديع، تابعه عليه من بعده، ونحن نسوقه أيضا. قال رحمه الله: لم يرد بقوله: ﴿ اليوم ﴾ يوم بعينه. وإنما أريد به الزمان الحاضر، وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية. كقولك: كنت بالأمس شابا وأنت اليوم أشيب. فلا تريد (بالأمس) اليوم الذي قبل يومك ولا (باليوم) يومك. وقيل: أريد يوم نزولها. وقد نزلت يوم الجمعة، وكان يوم عرفة، بعد العصر في حجة الوداع. وقوله تعالى: ﴿ يئس ﴾ إلخ. أي يئسوا منه أن يبطلوه وأن ترجعوا محللين لهذه الخبائث، بعد ما حرمت عليكم. وقيل: يئسوا من دينكم أن يغلبوه؛ لأن الله عز وجل وفى بوعده من إظهاره على الدين كله.

﴿ فلا تخشوهم ﴾ بعد إظهار الدين، وزوال الخوف من الكفار، وانقلابهم مغلوبين مقهورين، بعدما كانوا غالبين ﴿ واخشون ﴾ وأخلصوا لي الخشية. انتهى كلامه.

وأوضح الوجه الأول، الرازي فقال: ليس المراد باليوم هو ذلك اليوم بعينه، حتى يقال: إنهم ما يئسوا قبله بيوم أو يومين، وإنما هو كلام خارج على عادة أهل اللسان، معناه: لا حاجة بكم الآن إلى مداهنة هؤلاء الكفار؛ لأنكم الآن صرتم حيث لا يطمع أحد من أعدائكم في توهين أمركم.

محاسن التأويل · الصفحة ٧٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٧٩٧