" أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة، وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين فيها. وفي أيديهما الأزلام. فقال: " قاتلهم الله. لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا "
وفي الصحيح أن سراقة بن مالك بن جعشم، لما خرج في طلب النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين، قال: فاستقسمت بالأزلام: هل أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره: لا تضرهم. قال فعصيت الأزلام واتبعتهم. ثم استقسم بها ثانية وثالثة. كل ذلك يخرج الذي يكره: لا تضرهم. وكان كذلك. وكان سراقة لم يسلم إذ ذاك. ثم أسلم بعد ذلك.
وروى ابن مردويه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لن يلج الدرجات من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر طائرا ﴿ ذلكم فسق ﴾ "
أي: خروج عن الأخذ بالطريق المشروع. والإشارة إلى الاستقسام. أو إلى تناول ما حرم عليهم؛ لأن المعنى: حرم عليكم تناول الميتة وكذا وكذا. فإن قلت: لم كان استقسام المسافر وغيره بالأزلام، لتعرف الحال - فسقا؟ قلت: لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر به علام الغيوب وقال:
قل لا يعلم من في السموت والأرض الغيب إلا الله
[النمل: 65]. واعتقاد أنه إليه طريقا وإلى استنباطه. وقوله: أمرني ربي ونهاني ربي - افتراء على الله.
وما يدريه أنه أمره أو نهاه؟ والكهنة والمنجمون بهذه المثابة. وإن كان أراد بالرب الصنم، فقد روي أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم - فأمره ظاهر. كذا في الكشاف.
تنبيه
في (الإكليل): استدل بهذه الآية على تحريم القمار والتنجيم والرمل وكل ما شاكل ذلك. وعداه بعضهم إلى منع القرعة في الأحكام، وهو مردود. انتهى. أي لتباين القصد فيهما. فإن القرعة في قسمة الغنائم وإخراج النساء ونحوها، لتطييب نفوسهم والبراءة من التهمة في إيثار البعض، ولو اصطلحوا على ذلك جاز من غير قرعة. كما (في العناية).
قال الحاكم: وتدل على تحريم التمسك بالفأل والزجر والتطير والنجوم. فأما التفاؤل بالخير فمباح. قال الأصم: ومن هذا قول المنجم: إذا طلع نجم كذا فاخرج، وإن لم يطلع فلا تخرج.
قال الراضي بالله: ومن عمل بالأيام في السعد والنحس، معتقدا أن لها تأثيرا كفر. وإن لم يعتقد أثم. وقد روى أبو داود والنسائي وابن حبان عن قطن بن قبيصة، عن أبيه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت ".
قال عوف أحد رواته: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط بالأرض. وفي (القاموس) عفت الطير عيافة: زجرتها. وهو أن تعتبر بأسمائها ومساقطها، فتتسعد أو تتشئام، وهو من عادة العرب كثيرا.
وقال أبو زيد: الطرق أن يخط الرجل في الأرض بإصبعين ثم بإصبع.
وقال ابن الأثير: الطرق الضرب بالحصى الذي تفعله النساء. وقيل: هو الخط بالرمل. والجبت: كل ما عبد من دون الله تعالى. وقد روى مسلم في صحيحه، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" من أتى عرافا فسأله عن شيء، فصدقه، لم تقبل له صلاة أربعين يوما "
وروى الإمام أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم "
وعن عمران ابن حصين مرفوعا:
" ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له. ومن أتي كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم الله "
رواه البزار بإسناد جيد. ورواه الطبراني في (الأوسط) بإسناد حسن من حديث ابن عباس. دون قوله: " ومن أتى " إلخ.
قال البغوي: العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك. وقيل: هو الكاهن. الكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل. وقيل: الذي يخبر عما في الضمير. وقال أبو العباس بن تيمية: العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم، ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق.