تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي (النخبة) أن خبر الآحاد مقبول ومردود، والثاني إما لسقط من إسناد أو طعن في راو، والطعن إما لكذب أو تهمته بذلك. إلى أن قال: أو جهالته بأن لا يعرف فيه تعديل ولا تجريح معين. فتبصر.

﴿ وما ذبح على النصب ﴾ قال الزمخشري: كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت، يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها، يعظمونها بذلك ويتقربون به إليها، تسمى الأنصاب.

قال ابن كثير: فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع وحرم عليهم أكل هذه الذبائح، حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله، لما في الذبح عند النصب من الشرك الذي حرمه الله ورسوله. انتهى.

وقد ورد النهي عن الذبح لله بمكان يذبح فيه لغيره تعالى، فروى أبو داود، بإسناد على شرط الشيخين، عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال:

" نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة. فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالوا: لا. قال: " فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قالوا: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أوف بنذرك. فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله. ولا فيما لا يملك ابن آدم " ".

ففيه، أن المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة. وفيه المنع من النذر إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله. أو عيد من أعيادهم، ولو بعد زواله أيضا. وأنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة لأن نذر معصية. وفيه الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم، ولو لم يقصده. كذا في (كتاب التوحيد).

لطيفة

(النصب) بضمتين، وضم فسكون، إما جمع واحده نصاب، ككتاب وكتب. أو مفرد، جمعه أنصاب، كعنق وأعناق، وقفل وأقفال. وفي (القاموس وشرحه): النصب: كل ما نصب وجعل علما، وكل ما نصب فعبد من دون الله تعالى. والأنصاب حجارة كانت حول الكعبة تنصب فيهل عليها ويذبح لغير الله تعالى. وقال القتيبي: النصب صنم أو حجر، وكانت الجاهلية تنصبه تذبح عنده، فيحمر بالدم. ومنه حديث أبي ذر في إسلامه قال: فخرجت مغشيا علي ثم ارتفعت كأني نصب أحمر. يريد أنهم ضربوه حتى أدموه، فصار كالنصب المحمر بدم الذبائح. انتهى.

قال ابن جريج: كانت النصب ثلاثمائة وستين نصبا، وكانوا يذبحون عندها وينضحون ما أقبل منها إلى البيت، بدماء تلك الذبائح، ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب.

﴿ وأن تستقسموا بالأزلام ﴾ أي: وحرم عليكم، أيها المؤمنون، الاستقسام بالأزلام، أي: طلب القسم والحكم بها. والأزلام جمع زلم (محركة) و (كصرد) وهي: قداح ثلاثة كانوا يستقسمون به في الجاهلية، مكتوب على أحدها: (افعل) وعلى الآخر (لا تفعل) والثالث غفل، ليس عليه شيء. وقد زلمت وسويت ووضعت في الكعبة، يقوم بها سدنة البيت. فإذا أراد رجل سفرا أو نكاحا، أتى السادن وقال: أخرج لي زلما، فيجيلها ثم يخرج زلما منها. فإذا خرج قدح الأمر، مضى علي ما عزم عليه، أو النهي قعد عما أراده، أو الفارغ أعاد.

قال الأزهري (في معنى الآية): أي: تطلبوا من جهة الأزلام ما قسم لكم من أحد الأمرين. فمعنى الاستقسام: هو طلب معرفة ما قسم له من الخير والشر، مما لم يقسم له بواسطة ضرب القداح.

وذكر محمد بن إسحاق وغيره؛ أن أعظم أصنام قريش، صنم كان يقال له: هبل، منصوب على بئر داخل الكعبة، فيها توضع الهدايا، وأموال الكعبة فيه. وكان عنده سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه مما أشكل عليهم. فما خرج لهم منها رجعوا إليه ولم يعدلوا عنه.

في (اللباب): كانت أزلامهم سبع قداح مستوية مكتوب على واحد منها: (أمرني ربي) وعلى واحد: (نهاني) وعلى واحد (منكم) وعلى واحد (من غيركم) وعلى واحد: (ملصق) وعلى واحد: (العقل) وعلى واحد غفل، أي: ليس عليه الشيء. وكانت العرب، في الجاهلية، إذا أرادوا سفرا أو تجارة أو نكاحا، أو اختلفوا في نسب أو أمر قتيل، أو تحمل عقل، أو غير ذلك من الأمور العظام - جاءوا إلى هبل، وكانت أعظم صنم لقريش بمكة، وجاؤا بمائة درهم، وأعطوها صاحب القداح حتى يجيلها لهم. فإن خرج (أمرني ربي) فعلوا ذلك الأمر، وإن خرج (نهاني ربي) لم يفعلوه. وإن أجالوا على نسب، فإن خرج (منكم) كان وسطا فيهم، وإن خرج (من غيركم) كان حلفا فيهم. وإن خرج (ملصق) كان على حاله. وإن اختلفوا في العقل، وهو الدين، فمن خرج عليه قدح العقل تحمله. وإن خرج غفل أجالوا ثانيا. حتى يخرج المكتوب عليه. فنهاهم الله عن ذلك وحرمه وسماه فسقا. كما يأتي. وثبت في الصحيحين

محاسن التأويل · الصفحة ٧٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٧٩٥