وقال الجوهري: إنما جاءت النطيحة بالهاء، لغلبة الاسم عليها، وكذلك الفريسة والأكيلة والرمية، لأنه ليس هو على (نطحتها، فهي منطوحة) وإنما هو الشيء في نفسه مما ينطح والشيء مما يفرس ويؤكل.
﴿ ومآ أكل السبع ﴾ أي: ما عدا عليها فأكل بعضها. قال قتادة: كان أهل الجاهلية، إذا جرح السبع شيئا فقتله أو أكل منه، أكلوا ما بقى منه، فحرمه الله تعالى.
قال المهايمي: هو، وإن أشبه الصيد، لكنه لما أكله قصد بذلك نفسه، فسرت خباثته فيها. انتهى.
و (السبع) بضم الباء وفتحها وسكونها: المفترس من الحيوان. مثل الأسد والذئب والنمر والفهد. وما أشبهها مما له ناب، ويعدوا على الناس والدواب فيفترسها. وسمي ذلك لتمام قوته، وذلك أن (السبع) من الأعداد التامة، وفي الآية محذوف تقديره. " وما أكل السبع بعضه " ، كما ذكرنا. لأن ما أكله فقد فقد. فلا حكم له، إنما الحكم للباقي منه.
وقوله تعالى: ﴿ إلا ما ذكيتم ﴾ أي: ما أدركتم ذكاته من هذه المذكورات المنخنقة فما بعدها، بحيث ينسب موتها إلى الذبح دون غيره، فإنه يتحقق فيه المطهر، ولا يؤثر فيه السابق، لأن اللاحق ينسخه، بل هو واقع قبل تأثير السابق، إذ لا يتم التأثير إلا بالموت، أفاده المهايمي.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي: إلا ما ذبحتم من هؤلاء وفيه روح، فكلوه فهو ذكي. وكذا روي عن سعيد بن جبير والحسن والسدي. وروي ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي، في الآية قال: إن مصعت بذنبها، أو ركضت برجلها، أو طرفت بعينها، فكل.
وروى ابن جرير عن الحارث عن علي أيضا قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة، وهي تحرك يدا أو رجلا، فكلها. وهكذا روي عن طاوس والحسن وقتادة وعبيد بن عمير والضحاك وغير واحد؛ أن المذكاه متى تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة بعد الذبح، فهي حلال. وهذا مذهب جمهور الفقهاء. أفاده ابن كثير.
وفي الموطأ: سئل مالك عن شاة تردت فتكسرت، فأدركها صاحبها فذبحها، فسال الدم منها ولم تتحرك؟ فقال مالك: إذا كان ذبحها ونفسها يجري وهو تطرف، فليأكلها.
والتذكية: الذبح، كالذكا والذكاة. قال الراغب: حقيقة التذكية إخراج الحرارة الغريزية، لكن خص في الشرع بإبطال الحياة على وجه دون وجه. أي: وهو قطع الحلقوم والمريء، بمنهر للدم: من سكين وسيف وزجاج وحجر وقصب، له حد يقطع كما السلاح المحدد، ما لم يكن سنا أو ظفرا؛ لحديث رافع بن خديج في الصحيحين وغيرهما قال:
" قلت يا رسول الله! إنا لاقو العدو غدا، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ فقال: " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه، فكلوه. ليس السن والظفر. وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم. وأما الظفر فمدى الحبشة " ".
وأما حديث أبي العشراء عن أبيه:
" قلت: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؟ قال: " لو طعنت في فخذها لأجزأك "
، أخرجه أحمد وأهل السنن - ففي إسناده مجهولون. وأبو العشراء لا يعرف من أبوه، ولم يرو عنه غير حماد بن سلمة، فهو مجهول. كذا في (الروضة).
وقال الحافظ ابن حجر في (التلخيص): أبو العشراء مختلف في اسمه وفي اسم أبيه، وقد تفرد حماد بن سلمة بالرواية عنه على الصحيح، ولا يعرف حاله.
وقال في (التقريب): أعرابي مجهول.
قال الترمذي في جامعه، بعد سوقه لهذا الحديث: قال أحمد بن منيع: قال يزيد بن هارون: هذا في الضرورة، وفي الباب عن رافع بن خديج. انتهى.
وقال ابن كثير: وهذا الحديث صحيح. ولكنه محمول على ما لا يقدر على ذبحه في الحلق واللبة. انتهى.
وتصحيحه له، مع جهالة راويه المذكور، فيه نظر؛ فإن حد الصحيح كما في (التقريب) ما اتصل إسناده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة. قال (شارحه السيوطي): فخرج بقيد (العدول) ما نقله مجهول عينا أو حالا، أي: فليس بصحيح بل ضعيف.