وفي حديث ابن عباس: لا تأكلوا من تعاقر الأعراب، فإني لا آمن أن يكون مما أهل به لغير الله.
قال ابن الأثير: هو عقرهم الإبل. كان الرجلان يتباريان في الجود والسخاء، فيعقر هذا وهذا، حتى يعجز أحدهما الآخر. وكانوا يفعلونه رياء وسمعة وتفاخرا، ولا يقصدون به وجه الله تعالى، فشبهه بما ذبح لغير الله تعالى. انتهى.
وروى الإمام مسلم عن علي رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات:
" لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض ".
وروى الإمام أحمد عن طارق بن شهاب؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" " دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب ". قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: " مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا. فقالوا لأحدهما: قرب قال ليس عندي شيء أقرب. قالوا له: قرب ولو ذبابا. فقرب ذبابا، فخلوا سبيله، فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب. فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل، فضربوا عنقه، فدخل الجنة " ".
وفي هذه القصة ترهيب من وجوه: منها: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصا من شرهم. ومنها: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين، كيف صبر ذلك على القتل ولم يوافقهم على طلبتهم، مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر. ومنها: أن في هذا شاهد للحديث الصحيح:
" الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك "
كذا في كتاب (التوحيد).
﴿ والمنخنقة ﴾ وهي التي تموت بالخنق إما قصدا وإما اتفاقا، بأن تتخبل في وثاقها فتموت به. قال الحسن وغيره: هي التي تختنق بحبل الصائد أو غيره، وبأي وجه اختنقت فهي حرام. وقال ابن عباس: كانت الجاهلية يخنقون الشاة، حتى إذا ماتت أكلوها. والمنخنقة من جنس الميتة، لأنها لما ماتت، وما سال دمها، كانت كالميت حتف أنفه، إلا أنها فارقت الميتة بكونها تموت بسبب انعصار الحلق بالخنق، بخلاف الميتة فإنها بلا سبب.
قال المهايمي: المنخنقة، وإن ذكر اسم الله عليها فقد عارضه سريان خباثة الخانق إليها، مع تنجسها بالموت: ﴿ والموقوذة ﴾ ، يعني: المقتولة بالخشب، وكان أهل الجاهلية يضربون الشاة بالعصي، حتى إذا ماتت أكلوها. وفي (القاموس وشرحه) الوقذ: شدة الضرب. وقذه يقذه وقذا: ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت. وشاة وقيذ وموقوذة قتلت بالخشب. وقال أبو سعيد: الوقذ: الضرب على فأس القفا، فيصير هدتها إلى الدماغ، فيذهب العقل، فيقال: رجل موقوذ. وفي الصحيح أن عدي بن حاتم قال:
" قلت: يا رسول الله! إني أرمي بالمعراض الصيد، فأصيب. قال: " إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ، فلا تأكله " ".
﴿ والمتردية ﴾ هي الساقطة من جبل أو في بئر، فتموت. والتردي: السقوط في مهواة. وهذه الثلاثة في معنى الميتة، فإنها ماتت ولم يسل دمها.
﴿ والنطيحة ﴾ هي التي نطحتها أخرى فماتت، فهي حرام، وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها، وإن أرسل إنسان الناطح بذكر اسم الله، لأنه لما لم يكن بطريق الصيد المشروع، لم تخل من خباثة.
فائدة
قال التبريزي في (تهذيبه) وابن قتيبة في (أدب الكاتب): ما كان على فعيل نعتا للمؤنث وهو في تأويل مفعول، كان بغير هاء. نحو كف خضيب وملحفة غسيل. وربما جاءت بالهاء يذهب بها مذهب الأسماء؛ نحو النطيحة والذبيحة والفريسة وأكيلة السبع. وقالوا: ملحفة جديد؛ لأنها في تأويل مجدودة أي: مقطوعة. وإذا لم يجز فيه مفعول فهو بالهاء. نحو مريضة وظريفة وكبيرة وصغيرة. وجاءت أشياء شاذة، فقالوا: ريح خريق وناقة سديس وكثيبة خصيف.
وقال ابن السكيت: قد تأتي فعيلة بالهاء وهي في تأويل مفعول بها، تخرج مخرج الأسماء ولا يذهب بها مذهب النعوت؛ نحو النطيحة والذبيحة والفريسة وأكيلة السبع، ومررت بقتيلة بني فلان.