تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19.96

﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ﴾ أي: يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة، من غير تعرض للأسباب التي تكسب الود. كذا قالوا في تأويله. وقال أبو مسلم: معناه: أنه يهب لهم ما يحبون. قال: والود والمحبة سواء. آتيت فلانا محبته. وجعل لهم ما يحبون وجعلت له وده. ومن كلامهم: وددت لو كان كذا. أي: أحببت. فمعناه: سيعطيهم الرحمن ودهم أي: محبوبهم في الجنة. ثم قال أبو مسلم: وهذا القول الثاني أولى لوجوه: أحدها: كيف يصح القول الأول مع علمنا بأن المسلم المتقي يبغضه الكفار وقد يبغضه كثير من المسلمين؟ وثانيها: أن مثل هذه المحبة قد تحصل للكفار والفساق أكثر، فكيف يمكن جعله إنعاما في حق المؤمنين؟ وثالثها: أن محبتهم في قلوبهم من فعلهم. فكان حمل الآية على إعطاء المنافع الأخروية أولى. انتهى. وقد حاول الرازي التمويه في اختيار الأول والجواب عن الثاني. والحق أحق. وقوله تعالى: ﴿ فإنما يسرناه... ﴾.

19.97

﴿ فإنما يسرناه بلسانك ﴾ أي: سهلنا هذا القرآن بلغتك ﴿ لتبشر به المتقين ﴾ أي: الذين اتقوا عقاب الله، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، بالجنة ﴿ وتنذر به قوما لدا ﴾ أي تخوف بهذا القرآن عذاب الله قومك من بني قريش. فإنهم أهل لدد وجدل بالباطل، لا يقبلون الحق (واللدد) شدة الخصومة. والباء في قوله: ﴿ بلسانك ﴾ بمعنى (على). أي: على لغتك. أو ضمن (التيسير) معنى (الإنزال) أي: يسرنا القرآن، منزلين له بلغتك، ليسهل تبليغه وفهمه وحفظه.

قال الزمخشري: هذه خاتمة السورة ومقطعها. فكأنه قال: بلغ هذا المنزل، أو بشر به وأنذر، فإنما أنزلناه الخ، أي: فالفاء لتعليل أمر ينساق إليه النظم الكريم.

وقال الرازي: بين به بهذا، عظيم موقع هذه السورة، لما فيها من التوحيد والنبوة، والحشر والنشر، والرد على فرق المضلين المبطلين. وأنه يسر ذلك لتبشير المتقين وإنذار من خالفهم، وقد ذكرهم بأبلغ وصف سييء وهو اللدد. لأن الألد الذي يتمسك بالباطل ويجادل فيه.

ثم إنه تعالى ختم هذه السورة بموعظة بليغة، فقال تعالى: ﴿ وكم أهلكنا... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ١٩٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٩٦١