تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19.27

﴿ فأتت به قومها تحمله قالوا يمريم لقد جئت شيئا فريا ﴾ أي: عظيما منكرا.

19.28

﴿ يأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا ﴾ استئناف لتجديد التعبير، وتأكيد التوبيخ، وتقرير لكون ما جاءت به فريا. و ﴿ هارون ﴾ هو النبي الشهير، صلوات الله عليه يعنون أنها مثله في الصلاح؛ لأن الأخ والأخت يستعمل بمعنى (المشابه) كثيرا.

19.29

﴿ فأشارت إليه قالوا ﴾ منكرين لجوابها ﴿ كيف نكلم من كان في المهد صبيا ﴾ ولم يعهد تكليم عاقل لصبي في المهد.

19.30-31

﴿ قال إني عبد الله ﴾ أنطقه الله بذلك. أولا تحقيقا للحق في شأنه وتنزيها لله تعالى عن الولد، ردا على من يزعم ربوبيته ونبوته ﴿ آتاني الكتاب ﴾ أي: الإنجيل ﴿ وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أين ما كنت ﴾ أي: كثير الخير حيثما وجدت. أبلغ وحي ربي لتقويم النفوس وكبح الشهوات والأخذ بما هو مناط السعادات. والتعبير بلفظ الماضي في الأفعال الثلاثة، إما باعتبار ما سبق في القضاء المحتوم، أو جعل الآتي لا محالة كأنه وجد ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا ﴾ أي: أمرني بالعبادة وإنفاق المال مدة حياتي.

19.32-36

﴿ وبرا بولدتي ولم يجعلني جبارا شقيا ﴾ أي: مستكبرا عن طاعته وأمره ﴿ والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا * ذلك ﴾ أي: الذي فصلت نعوته الجليلة وخصائصه الباهرة ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ أي: لا ما يصفه به النصارى. وهو تكذيب لهم، فيما يزعمونه على الوجه الأبلغ والمنهاج البرهاني. حيث جعله موصوفا بأضداد ما يصفونه ﴿ قول الحق الذي فيه يمترون * ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ﴾ أي: ومن هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون له ولد؟ وهذا كقوله تعالى:

إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون * الحق من ربك فلا تكن من الممترين

[آل عمران: 59-60] ثم أشار إلى تتمة كلام عيسى من الأمر بعبادته تعالى وحده، بقوله سبحانه: ﴿ وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ﴾ أي: قويم. من اتبعه رشد وهدى. ومن خالفه ضل وغوى.

تنبيهات في فوائد هذه القصة

الأول: لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه أوجد منه في حال كبره وعقم زوجته ولدا زكيا طاهرا مباركا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاد ولدها عيسى عليهما السلام منها من غير أب. فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة؛ ولهذا ذكرهما في آل عمران، وههنا، وفي سورة الأنبياء. يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى؛ ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه. وأنه على ما يشاء قدير. و ﴿ مريم ﴾ هي بنت عمران. من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر تعالى ولادة أمها لها في سورة آل عمران. وأنها نذرتها محررة للعبادة. وأنه تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا فنشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة. فكانت إحدى الناسكات المتبتلات. وكانت في كفالة زكريا ورأى لها من الكرامات ما بهره، فقد كان يجد عندها كلما دخل عليها المحراب رزقا. كما تقدم في سورة آل عمران.

الثاني: استدل بقوله تعالى:

فأرسلنآ إليهآ روحنا

[مريم: 17] من قال بنبوة مريم. واستدل بقوله تعالى عنها:

يليتني مت قبل هذا

[مريم: 23] على جواز تمني المنون لمثل تلك الحال. وبقوله تعالى:

وهزى إليك بجذع النخلة

[مريم: 25] على التسبب في الرزق، وتكلف الكسب وإليه أشار القائل:

ألم تر أن الله قال لمريم

وهزي إليك الجذع يساقط الرطب

ولو شاء أحنى الجذع من غير هزه

إليها. ولكن كل شيء له سبب

وفي الآية أصل لما يقوله الأطباء، إن الرطب ينفع النساء. واستدل بقوله تعالى:

فأشارت إليه

[مريم: 29] بعد

فلن أكلم اليوم إنسيا

[مريم: 26] على أن الحالف (لا يتكلم أو لا يكلم فلانا) لا يحنث بالإشارة.

محاسن التأويل · الصفحة ١٩٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٩٣٩