19.20
﴿ قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ﴾ أي: تعجبت من هذا وقالت: كيف يكون لي غلام، أي: على أي: صفة يوجد مني، ولست بذات زوج ولا يتصور مني الفجور؟.
قال الزمخشري: جعل المس عبارة عن النكاح الحلال، لأنه كناية عنه. كقوله تعالى:
من قبل أن تمسوهن
[البقرة: 237]
أو لمستم النسآء
[النساء: 43 ، المائدة: 6] والزنى ليس كذلك. إنما يقال فيه (فجربها، وخبث بها) وما أشبه ذلك. وليس بقمن أن تراعى فيه الكنايات والآداب. وإنما اقتصر في سورة آل عمران على قوله:
ولم يمسسني بشر
[آل عمران: 47] لكون هذه السورة متقدمة النزول عليها. فهي محل التفصيل. بخلاف تلك. فلذا حسن الاكتفاء فيها. وقيل: جعل المس ثم كناية عنهما، على سبيل التغليب. و(البغي): الفاجرة التي تبغي الرجال. ووزنه (فعول) ولذا لم تلحقه التاء، لأنه يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإن كان بمعنى فاعل كصبور. أو فعيل بمعنى فاعل، ولم تلحقه التاء لأنه للمبالغة.
19.21
﴿ قال ﴾ أي: الملك ﴿ كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ﴾ أي: برهانا يستدلون به على كمال قدرة بارئهم وخالقهم الذي نوع خلقهم. فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى. وخلق حواء من ذكر بلا أنثى. وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى، إلا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر. فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه ﴿ ورحمة منا ﴾ أي: عليك بهذه الكرامة، وعلى قومك بالهداية والدعاء إلى عبادة الله وتوحيده، فيهتدون بهديه ويسترشدون بإرشاده.
وقوله: ﴿ وكان أمرا مقضيا ﴾ من تتمة كلام جبريل لمريم. يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم الله تعالى وقدره ومشيئته. أو من خبره تعالى لنبيه صلوات الله عليه. وأنه كنى به عن النفخ في فرجها. كما قال تعالى:
ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا
[التحريم: 12] وقال:
والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا
[الأنبياء: 91].