تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله تعالى: ﴿ وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ﴾ أي: خيرا ومنفعة والإشارة للنبأ المتحاور فيه.

تنبيهات

الأول: روي أنه صلوات الله عليه سئل عن أصحاب الكهف والروح وذي القرنين، فقال: " أجيبكم عنها غدا " ولم يستثن. فاحتبس الوحي خمسة عشر يوما، ثم نزلت: ﴿ ولا تقولن ﴾ الآية. وقد زيف هذه الرواية القاضي - كما حكاه الرازي - من أوجه. والحق له؛ لأنها من مرويات ابن إسحاق عن شيخ مجهول. كما ساقه عنه ابن كثير وغيره، والله أعلم.

الثاني: يشير قوله تعالى: ﴿ وقل عسى أن يهدين ربي ﴾ الآية، إلى أن هذا النبأ ليس مما تنبغي العناية بتحقيقه وتدقيق أطرافه، وابتغاء الرشاد فيه حتى يتكلف لفتوى أهل الكتاب فيه. العزم على فعل شيء مما يلابسه في المستقبل؛ لأنه من الأمور الغابرة التي حق الخائض فيها أن ينظر منها إلى وجه العبرة والفوائد التي حوتها، كما أحكمته آيات التنزيل في شأنها.

الثالث: اعترضت هذه الآداب أعني من قوله تعالى: ﴿ فلا تمار ﴾ إلى هنا قبل تتميم نبئهم، مبادرة إلى الاهتمام بهذه الآداب والاحتفاظ بها، لتتمكن فضل تمكن، وترسخ في النفس أشد رسوخ. والله أعلم.

الرابع: روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ واذكر ربك إذا نسيت ﴾: إذا نسيت الاستثناء بالمشيئة ثم ذكرت فاستثن، وذلك (كما قال القرطبي) لتدارك التبرك والتخلص عن الإثم.

وقال في (الانتصاف): أما ظاهر الآية فمقتضاه الأمر بتدارك المشيئة، متى ذكرت ولو بعد الطول. وأما حلها لليمين حينئذ فلا دليل عليه منها. انتهى.

ودعوى أنه الظاهر هو أحد الوجوه فيها، مفرعا على أن المشيئة في الآية قبلها مشيئة القول، وهو أحد معاني الآية. وقد حكي عن ابن عباس جواز الاستثناء وإن طال الزمان، ثم اختلف عنه. فقيل: إلى شهر، وقيل: إلى سنة، وقيل: أبدا. وفي (حصول المأمول): ومن قال بأن هذه المقالة لم تصح عن ابن عباس، لعله لم يعلم بأنها ثابتة في (مستدرك الحاكم) وقال: صحيح على شرط الشيخين بلفظ:

" إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثني إلا سنة "

ومثله عند أبي موسى المديني وسعيد بن منصور وغيرهما من طرق. وبالجملة فالرواية عنه رضي الله عنه قد صحت، لكن الصواب خلاف ما قاله.

قال ابن القيم في (مدارج السالكين): إن مراده أنه إذا قال شيئا ولم يستثن، فله أن يستثني عند الذكر. وقد غلط عليه من لم يفهم كلامه. انتهى.

وهذا التأويل يدفعه ما تقدم عنه. والاستثناء بعد الفصل اليسير وعند التذكر، قد دلت عليه الأدلة الصحيحة. منها حديث أبي داود وغيره:

" والله لأغزون قريشا " ثم سكت ثم قال: " إن شاء الله "

ومنها حديث:

" ولا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها "

فقال العباس: " إلا الإذخر ". وهو في الصحيح. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية

" إلا سهل بن بيضاء "

انتهى. وقوله تعالى: ﴿ ولبثوا في كهفهم... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ١٨٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٨٨٣