وبالجملة، فالنظم الكريم، بأسلوبه هذا لا يدل على أن الأخير هو الحق كما علمت. وأما ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما من قوله: أنا من القليل الذي استثنى الله عز وجل. كانوا سبعة - فهو من الموقوف عليه. ولو رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصح سنده لقلنا به على أنه اختلف على ابن عباس في عدتهم. فروي عنه أنهم ثمانية، حكاه ابن إسحاق عن مجاهد عنه. وروي عنه سبعة. وهو حكاية قتادة وعكرمة عنه. ثم رأيت الرازي نقل عن القاضي أنه قال: إن كان - ابن عباس - قد عرفه ببيان الرسول، صح. وإن كان قد تعلق بحرف الواو فضعيف. انتهى. هذا ما ظهر لي الآن.
وبعد كتابتي لما تقدم بمدة، وقفت على نبئهم في (طبقات الشهداء المسيحيين) وأن عدتهم سبعة عندهم كما ستراه في آخر الآيات فيهم. فسنح لي أن ابن عباس إنما جزم بما جزم به، مما قوي عنده من إشارة الآية، كما ذكره أولئك الأكثرون، ومن تواتر عدتهم من قومهم وممن أثر عنهم. ثم حققه وصدقه عدم النكير فيه. وكذلك جزم بمثله الإمام تقي الدين بن تيمية رحمه الله، حيث قال في (قاعدة له في التفسير): اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام - مقام حكاية الأقوال وتعليم ما ينبغي في مثل هذا. فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعف القولين الأولين وسكت عن الثالث فدل على صحته.
إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما. ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته. فيقال في مثل هذا: ﴿ قل ربي أعلم بعدتهم ﴾ فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه. فبهذا قال: ﴿ فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا ﴾ أي: لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك. فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب، فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام وأن ينبه على الصحيح منها ويبطل الباطل. ويذكر فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يقع النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فيشتغل به عن الأهم. فأما من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها، فهو ناقص. إذ قد يكون الصواب في الذي تركه. أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال، فهو ناقص أيضا. انتهى كلامه رحمه الله، وهو الفصل في هذا المقال.
الثاني: قال الرازي: ذكروا في فائدة الواو في قوله: ﴿ وثامنهم ﴾ وجوها:
الأول: ما ذكروه أنه يدل على أن هذا القول أولى من سائر الأقوال. وقد عرفت ما فيه.
وثانيها: أن السبعة عند العرب أصل في المبالغة في العدد. وإذا كان كذلك، فإذا وصلوا إلى الثمانية ذكروا لفظا يدل على الاستئناف، فقالوا: وثمانية. فجاء هذا الكلام على هذا القانون. قالوا: ويدل عليه نظيره في ثلاث آيات وهي قوله:
والناهون عن المنكر
[التوبة: 112] لأن هذا هو العدد الثامن من الأعداد المتقدمة. وقوله:
حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها
[الزمر: 73] لأن أبواب الجنة ثمانية وأبواب النار سبعة. وقوله:
ثيبات وأبكارا
[التحريم: 5] لأن قوله: ﴿ وأبكارا ﴾ هو العدد الثامن مما تقدم. والناس يسمون هذه الواو: (واو الثمانية) ومعناه ما ذكرناه.
قال القفال: وهذا ليس بشيء والدليل عليه قوله تعالى:
هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر
[الحشر: 23] ولم يذكر الواو في النعت الثامن. انتهى.
وقال في (الانتصاف): الصواب في الواو ما تقدم من كونها لتأكيد اللصوق. لا كمن يقول: إنها واو الثمانية. فإن ذلك أمر لا يستقر لمثبته قدم. ويعدون مع هذه الواو في قوله في الجنة:
وفتحت أبوابها
[الزمر: 73] قالوا: لأن أبواب الجنة ثمانية وأبواب النار سبعة وهب أن في اللغة واوا تصحب الثمانية فتختص بها، فأين ذكر العدد في أبواب الجنة حتى ينتهي إلى الثامن فتصحبه الواو؟ وربما عدوا من ذلك