أطلق ملك عكا، وشرط عليه أن لا يضرب في وجهه بسيف، وأن يكون طليق السلطان، فلما حصل في المركب مزق خلعة السلطان، وسبه وسب المسلمين، وسار إلى صور وبها المركيس، فلم يمكنه من دخول البلد، فنزل بظاهره، وجاء السلطان فنزل أرض صيدا، وبينهم الجسر، ووصل من الشرق خلق عظيم من الغزاة ما يزيد على عشرة آلاف راجل، فقال لهم السلطان: لا تعبروا الجسر إلا معنا، فالمكان ضيق. فخالفوه، وعبروا [الجسر] (¬1)، وكمن لهم الفرنج، فقتلوا معظمهم، وقتل غازي بن مسعود بن البصار، وكان شابا جميلا، ولم يعلم السلطان، فجاء وقد فات الأمر، وبعث الفرنج برؤوس القتلى إلى الجزائر، وقالوا: أيش قعودكم؟ فهذه رؤوس ملوك المسلمين، فكان ذلك سببا لاستيلاء الفرنج على البلاد.
وفي جمادى الأولى ولد للملك العزيز ولد وسماه محمدا، ولقبه ناصر الدين، وهو الذي اجتمع عليه أصحاب العزيز عند موته سنة خمس وتسعين وخمس مئة، وكتب الفاضل إلى السلطان: أدام الله أيام مولانا السلطان ورشاده وإرشاده، وزاد سعده وإسعاده، وكثر عبيده وأعداده، وشد بأعضادهم عضده وأعضاده، ونمى عدده وعديده حتى يقال: هذا آدم الملوك وهذه أولاده، وقد رزق الله الملك العزيز ولدا ذكرا سويا، برا زكيا، نقيا تقيا، من ذرية بعضها من بعض، وبيت كريم، كادت ولاته تكون ولاة في السماء، وممالكيه ملوكا في الأرض، وكانت ولادته يوم الأحد، ليعز الله به أهل الجمعة ويذل أهل الأحد.
وفي ثاني عشر رجب نزل الفرنج على عكا؛ ساروا من صور على طريق الناقورة والإسكندرونة على الساحل، وهؤلاء الفرنج هم الذين أجلاهم السلطان إلى صور، واجتمع إليهم من كان في الساحل، وسار السلطان يقاتلهم في البر، فسبقوه إليها، واستداروا حولها من البحر إلى البحر، ونزل السلطان على تل كيسان، وكتب إلى الأطراف يستنجدهم، فأسرعوا، فأول من جاءه تقي الدين صاحب حماة، ثم [ابن] (1) زين الدين بعساكر الشرق، ثم عسكر مصر، فزحف عليهم مستهل شعبان وضايقهم، فانضم بعضهم إلى بعض، فخلا جانب من سور عكا، فدخلها المسلمون بالعدد