تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العلمين ﴾ قيل: كان هابيل أقوى منه ولكن تحرج عن قتله واستسلم له خوفا من الله سبحانه وتعالى لأن الدفع لم يبح بعد، أو تحريا لما هو الأفضل قال عليه الصلاة والسلام:

" كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل "

وإنما قال: ﴿ ما أنا بباسط ﴾ في جواب ﴿ لئن بسطت ﴾ للتبري عن هذا الفعل الشنيع رأسا، والتحرز من أن يوصف به ويطلق عليه ولذلك أكد النفي بالباء.

﴿ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحب النار وذلك جزاء الظلمين ﴾ تعليل ثان للامتناع عن المعارضة والمقاومة، والمعنى إنما استسلم لك إرادة أن تحمل إثمي لو بسطت إليك يدي، وإثمك ببسطك يدك إلي ونحوه المستبان ما قالا فعلى البادىء ما لم يعتد المظلوم. وقيل معنى بإثمي بإثم قتلي، وبإثمك الذي لم يتقبل من أجله قربانك، وكلاهما في موضع الحال أي ترجع ملتبسا بالإثمين حاملا لهما، ولعله لم يرد معصية أخيه وشقاوته بل قصده بهذا الكلام إلى أن ذلك إن كان لا محالة واقفا فأريد أن يكون لك لا لي، فالمراد بالذات أن لا يكون له أن يكون لأخيه ويجوز أن يكون المراد بالإثم عقوبته وإرادة عقاب العاصي جائزة.

﴿ فطوعت له نفسه قتل أخيه ﴾ فسهلته له ووسعته من طاع له المرتع إذا اتسع. وقرىء «فطاوعت» على أنه فاعل بمعنى فعل، أو على أن ﴿ قتل أخيه ﴾ كأنه دعاها إلى الإقدام عليه فطاوعته، وله لزيادة الربط كقولك حفظت لزيد ماله. ﴿ فقتله فأصبح من الخسرين ﴾ دينا ودنيا، إذ بقي مدة عمره مطرودا محزونا. قيل قتل هابيل وهو ابن عشرين سنة عند عقبة حراء. وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.

﴿ فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه ﴾ روي أنه لما قتله تحير في أمره ولم يدر ما يصنع به إذ كان أول ميت من بني آدم، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة والضمير في ليرى، لله سبحانه وتعالى، أو للغراب، وكيف حال من الضمير في ﴿ يوري ﴾ والجملة ثاني مفعولي يرى! والمراد بسوأة أخيه جسده الميت فإنه مما يستقبح أن يرى.

﴿ قال يا ويلتا ﴾ كلمة جزع وتحسر والألف فيها بدل من ياء المتكلم. والمعنى يا ويلتي احضري فهذا أوانك، والويل والويلة الهلكة. ﴿ أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ﴾ لا أهتدي إلى مثل ما أهتدي إليه، وقوله: ﴿ فأواري ﴾ عطف على ﴿ أكون ﴾ وليس جواب الاستفهام إذ ليس المعنى ههنا لو عجزت لواريت، وقرىء بالسكون على فأنا أواري أو على تسكين المنصوب تخفيفا. ﴿ فأصبح من الندمين ﴾ على قتله لما كابد فيه من التحير في أمره وحمله على رقبته سنة أو أكثر على ما قيل، وتلمذه للغراب واسوداد لونه وتبري أبويه منه، إذ روي أنه لما قتله اسود جسده فسأله آدم عن أخيه فقال ما كنت عليه وكيلا فقال بل قتلته ولذلك اسود جسدك وتبرأ منه ومكث بعد ذلك مائة سنة لا يضحك وعدم الظفر بما فعله من أجله.

﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرءيل ﴾ بسببه قضينا عليهم، وأجل في الأصل مصدر أجل شرا إذا جناه استعمل في تعليل الجنايات كقولهم، من جراك فعلته، أي من أن جررته أي جنيته ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تعليل، ومن ابتدائية متعلقة بكتبنا أي ابتداء الكتب ونشوء من أجل ذلك. ﴿ أنه من قتل نفسا بغير نفس ﴾ أي بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص. ﴿ أو فساد في الأرض ﴾ أو بغير فساد فيها كالشرك أو قطع الطريق. ﴿ فكأنما قتل الناس جميعا ﴾ من حيث أنه هتك حرمة الدماء وسن القتل، وجرأ الناس عليه، أو من حيث أن قتل الواحد وقتل الجميع سواء في استجلاب غضب الله سبحانه وتعالى والعذاب العظيم. ﴿ ومن أحيها فكأنما أحيا الناس جميعا ﴾ أي ومن تسبب لبقاء حياتها بعفو أو منع عن القتل، أو استنقاذ من بعض أسباب الهلكة فكأنما فعل ذلك بالناس جميعا، والمقصود منه تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ترهيبا عن التعرض لها وترغيبا في المحاماة عليها. ﴿ ولقد جاءتهم رسلنا بالبينت ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ﴾ أي بعد ما كتبنا عليهم هذا التشديد العظيم من أجل أمثال تلك الجناية، وأرسلنا إليهم الرسل بالآيات الواضحة تأكيدا للأمر وتجديدا للعهد كي يتحاموا عنها وكثير منهم يسرفون في الأرض بالقتل ولا يبالون به، وبهذا اتصلت القصة بما قبلها والإسراف التباعد عن حد الاعتدال في الأمر.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٣٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٣٣١