إذن: فحين يفسد عامل واحد، بعدم الإخلاص في عمله، يفقد الكون نعمة يحبها الله في أن ترى الشيء الجميل. فتقول: الله. فكل إنسان غير أمين في عمله يفسد في الكون، وكل إنسان غير أمين في خلقه يفسد في الكون، ويعتدي على حرمات الآخرين وأموالهم، وهذا يجعل الكون قبيحا، فلا يوجد إنسان يأمن على عرضه وماله. لقد أراد المعتدي أن يحقق ما ينفع به نفسه عاجلا، ولكنه أحدث فسادا في الكون، كذلك عندما يغش التاجر الناس، وعندما يكتسب الإنسان المال بالنهب والسرقة، فيفتح الله عليه أسوأ مصارف المال في الوجود، فهو أخذ الحسرة بالفساد في الأرض. والفساد في الأرض أن تخرج الشيء عن حد اعتداله، فتسرف في شهواتك وتسرف في أطماعك، وتسرف في عقابك للناس، وتسرف باعتدائك على حقوق الغير. والفساد في الأرض، أن يوجد منهج مطبق غير منهج الله. إن غياب منهج الله معناه أن يصبح كل منا عبد أهوائه، وإذا صارت الأمور حسب أهواء الناس جاءت لهم حركة الحياة بالشقاء والشر بدلا من السعادة والأمن. إن ما نراه اليوم من شكوى الناس علامة على الفساد. لأن معناها: أن الناس تعاني ولا أحد يتحرك ليرفع أسباب هذه الشكوى. ولن يستقيم أمر هذا الوجود، ويتخلص من الفساد إلا إذا حكمنا منهج لا هوى له، والذي لا هوى له هو خالق البشر واضع ميزان الكون. وأول مظاهر الفساد أن يوكل الأمر إلى غير أهله. لأنه إذا أعطي الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة. كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
" إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ".
لماذا؟ لأن المجتمع - حينئذ - يكون مبنيا على النفاق واختلال الأمور، لا على الإتقان والإخلاص. فالذي يجيد النفاق هو الذي يصل إلى الدرجات العلا، والذي يتقن عمله لا يصل إلى شيء، وتكون النتيجة أن مجموعة من المنافقين الجهلة هم الذين يسيرون الأمور بدون علم. والفساد في الأرض هو أن يضيع الحق، وتضيع القيم، ويصبح المجتمع غابة، كل إنسان يريد أن يحقق هواه بصرف النظر عن حقوق الآخرين، ويحس من يعمل ولا يصل إلى حقه أنه لا فائدة من العمل، فيتحول المجتمع كله إلى مجموعة من غير المنتجين. والفساد في الأرض هو أن نجعل عقولنا هي الحاكمة، فلا نتأمل في ميزان الكون الذي خلقه الله، وإنما نمضي بعقولنا نخطط، فنقطع الأشجار ونرمي مخلفات المصانع في الأنهار فنفسدها، ونأتي بالكيماويات السامة نرش بها الزرع أو مجاري المياه والأنهار فنملؤه سما ثم نأكله ثم نجد التلوث قد ملأ الكون. وطبقة الأوزون قد أصابها ضرر واضح يعرض حياة البشر على الأرض لأخطار كبيرة، وتفسد مياه الأنهار. ولا تصبح صالحة للشرب ولا للري.
ويضيع الخير من الدنيا بالتدريج، والفساد في الأرض هو أن ينتشر الظلم، وتصبح الحياة سلسلة لا تنتهي من الشقاء. والفساد في الأرض هو أن تضيع الأمانة. فتفسد المعاملات بين الناس، وتضيع الحقوق. هذه هي بعض أوجه الفساد في الأرض. والله سبحانه وتعالى قد وضع قانونا كليا، هو منهجه ليتعامل به الناس، ولكن الناس تركوه، ومشوا يتخبطون في ظلام الجهل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من استعمل رجلا من عصابة، وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين "
وهكذا يكون مدى حرص الإسلام على استقامة أمور الناس. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ [البقرة: 27]. خسروا ماذا؟ خسروا دنياهم وآخرتهم وخسروا أنفسهم لأن الإنسان له حياتان.. حياة قصيرة في الدنيا مليئة بالمتاعب، وحياة طويلة خالدة في الآخرة. والذي يبيع الحياة الأبدية ونعيمها وخلودها بحياة الدنيا التي لا يضمن فيها شيئا، يكون من الخاسرين.. فعمر الإنسان قد يكون يوما أو شهرا أو عاما، والحياة الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، ومهما أعطت فهو قليل، فالذي يبيع آخرته بهذه الدنيا، أيكون رابحا أم خاسرا؟ طبعا يكون خاسرا لأنه اشترى مالا يساوي بنعيم الله كله.. وإذا كان الإنسان قد نسي الله سبحانه وتعالى وهو لاقيه حتما، ثم يبعث يوم القيامة ليجده أمامه. فيوفيه حسابه، أيكون قد كسب أم خسر؟!.. طبعا يكون خاسرا لأنه أوجب على نفسه عذاب الله، وأوجب على نفسه عقاب الله. إن قوله تعالى: " الخاسرون " تدل على أن الصفقة انتهت وضاع كل شيء لأن نتيجتها كانت الخسران، وليس الخسران موقوتا، ولا هو خسران يمكن أن يعوض في الصفقة القادمة، بل هو خسران أبدي، والندم عليها سيكون شديدا. واقرأ قوله تبارك وتعالى: