2.78
الله سبحانه وتعالى لا زال يتحدث عن أهل الكتاب.. فبعد أن بين لنا الذين يقولون:
أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به عند ربكم
[البقرة: 76].. انتقل سبحانه وتعالى إلى طائفة أخرى وهم من أسماهم بالأميين.. وأصح قول في الأمي هو أنه كما ولدته أمه.. أي لم يعلم شيئا من ثقافة وعلم في الوجود منذ لحظة نزوله من بطن أمه. ولذلك فإن الأمي على إطلاقه هو الذي لا يكتسب شيئا من ثقافة الوجود حوله، بصرف النظر عن أن يقال كما ولدته أمه.. لأن الشائع في المجتمعات أن الذي يعلم هم الخاصة لا العامة.. وعلى أية حال فالمعاني كلها ملتقية في تعريف الأمي. قوله تعالى: ﴿ ومنهم أميون ﴾ [البقرة: 78].. تلاحظ أن هناك معسكرات من الأميين واجهت الدعوة الإسلامية.. فالمعسكر الأول كان المشركون في مكة، والمعسكر الثاني كان أهل الكتاب في المدينة. وأهل الكتاب تطلق على أتباع موسى وأتباع المسيح.. ولكن في الجزيرة العربية كان هناك عدد لا يذكر من النصارى.. وكان هناك مجتمع. والمقصود من قوله تعالى: ﴿ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ﴾ [البقرة: 78] هم اليهود الذين كان لهم مجتمع في المدينة.. وما دام الحق سبحانه وتعالى قال: ﴿ ومنهم أميون ﴾ [البقرة: 78].. معنى هذا أنه لابد أن يكون هناك منهم غير أميين.. وهؤلاء هم الذين سيأتي قول الله تعالى عنهم في الآية التالية:
فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم..
[البقرة: 79]. هنا قسم الله تبارك وتعالى اليهود إلى أقسام.. منهم قسم أمي لا يعرفون الكتاب وما يقوله لهم أحبارهم هو الذي يعرفونه فقط.. وهؤلاء ربما لو كانوا يعلمون ما في التوراة.. من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم لآمنوا به.. والكتاب هنا يقصد به التوراة.. والله سبحانه وتعالى لم ينف عنهم مطلق العلم.. ولكنه نفى خصوصية العلم، لأنه قال لا يعلمون إلا أماني.. فكأن الأماني يعلمونها من الكتاب. ولكن ما الأماني؟.. إنها تطلق مرة بدون تشديد الياء ومرة بتشديد الياء.. فإن كانت بالتخفيف تكون جمع أمنية.. وإن كانت بالتشديد تكون جمع أمنية بالتشديد على الياء.. الأمنية تجدها في القرآن الكريم في قوله تعالى:
ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به..
[النساء: 123]. هذا بالنسبة للجمع. أما بالنسبة للمفرد.. في قوله تعالى:
ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته..
[الحج: 52]. ما هي الأمنية؟.. الأمنية هي الشيء الذي يحب الإنسان أن يحدث ولكن حدوثه مستحيل.
. إذن لن يحدث ولن يكون له وجود.. ولذلك قالوا إن من معاني التمني اختلاق الأشياء.. الشاعر الذي قال:
ألا ليت الشباب يعود يوما
فأخبره بما فعل المشيب
هل الشباب يمكن أن يعود؟.. طبعا مستحيل.. هذا شيء لن يحدث.. والشاعر الذي قال:
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها
عقود مدح فما أرضى لكم كلم
هل النجوم ستنزل من السماء وتأتي إلى هذا الشاعر.. ينظمها أبيات شعر إلى حبيبته.. إذن من معاني التمني الكذب والاختلاق. ولقد فسر بعض المستشرقين قول الله تبارك وتعالى:
ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى
[الحج: 52] أي قرأ:
ألقى الشيطان في أمنيته
[الحج: 52] أي في قراءته.. وطبعا الشيطان لن يلقي في قراءة الرسول إلا كذبا وافتراء وكفرا.. إقرأ قوله سبحانه:
أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى * ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى
[النجم: 19-22]. قال أعداء الإسلام ما دام قد ذكر في القرآن أسماء الغرانيق.. وهي الأصنام التي كان يعبدها الكفار.. ومنها اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.. إذن فشفاعة هذه الأصنام ترتجى في الآخرة.. وهذا كلام لا ينسجم مع منطق الدين كله يدعو لعبادة الله وحده.. وخرج المستشرقون من ذلك بأن الدين فعلا يدعو لعبادة الله وحده.. إذن فيكون الشيطان قد ألقى في أمنيته فيما يقوله رسول الله.. ثم أحكم الله سبحانه آياته فقال تعالى: