تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.257

إن الله ولي الذين آمنوا ما دام

فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى

[البقرة: 256] وكأن الحق يشرح ذلك بهذه الآية، فما دام العبد سيتصل بالعروة الوثقى ويستمسك بها، وهذه ليست لها انفصام فقد صارت ولايته لله، وكلمة " ولي " إذا سمعتها هي من " ولي " أي: جاء الشيء بعد الشيء من غير فاصل هذا يليه هذا، وما دام يليه من غير فاصل فهو الأقرب له، وما دام هو الأقرب له إذن فهو أول من يفزع لينقذ، فقد يسير معي إنسان فإذا التوت قدمي أناديه لأنه الأقرب مني، وهو الذي سينجدني. فلا يوجد فاصل، وما دام لا يوجد فاصل فهو أول من تناديه، وأول من يفزع إليك بدون أن تصرخ له لأن من معك لا تقل له: خذ بيدي، إنه من نفسه يأخذ بيدك بلا شعور، إذن فكلمة ﴿ الله ولي الذين آمنوا ﴾ [البقرة: 257] إذا نظرت إليها وجدتها تنسجم أيضا مع " سميع وعليم " ، فلا يريدك أن تناديه لأن هناك من تصرخ عليه لينجدك، وهو لن تصرخ عليه لأنه سميع وعليم، ﴿ الله ولي الذين آمنوا ﴾ [البقرة: 257]. وكلمة " ولي " أيضا منها مولى ومنها وال، ﴿ ولي الذين آمنوا ﴾ [البقرة: 257] أي هو الذي يتولى شئونهم وأمورهم، كما تقول: الوالي الذي تولى أمر الرعية، وكلمة " مولى " مرة تطلق على السيد، ومرة تطلق على خادمه، ولذلك يقول الشاعر:

مولاك يا مولاي طالب حاجة

أي عبدك يا سيدي طالب حاجة، فهي تستعمل في معان مترابطة لأننا قلنا: " ولي " تعني القريب، فإذا كان العبد في حاجة إلى شيء فمن أول من ينصره؟ سيده، وإذا نادى السيد، فمن أول مجيب له؟ إنه خادمه، إذن فيطلق على السيد ويطلق على العبد، ويطلق على الوالي، ﴿ الله ولي الذين آمنوا ﴾ [البقرة: 257]. وقوله الحق: " الذين آمنوا " يعني جماعة فيها أفراد كثيرة، كأنه يريد من الذين آمنوا أن يجعلوا إيمانهم شيئا واحدا، وليسوا متعددين، أو أن ولاية الله لكل فرد على حدة تكون ولاية لجميع المؤمنين، وما داموا مؤمنين فلا تضارب في الولايات لأنهم كلهم صادرون وفاعلون عن إيمان واحد، ومنهج واحد، وعن قول واحد، وعن فعل واحد، وعن حركة واحدة. وكيف يكون ﴿ الله ولي الذين آمنوا ﴾ [البقرة: 257]؟ إنه وليهم أي ناصرهم. ومحبهم ومجيبهم ومعينهم، هو وليهم بما أوضح لهم من الأدلة على الإيمان، هل هناك حب أكثر من هذا؟ هل تركنا لنبحث عن الأدلة أو أنه لفتنا إلى الأدلة؟ وتلك هي ولاية من ولايات الله. فقبل أن نؤمن أوجد لنا الأدلة، وعندما آمنا والانا بالمعونة، وإن حاربنا خصومنا يكن معنا، وبعد ذلك تستمر الولاية إلى أن يعطينا الجزاء الأوفى في الآخرة، إذن فهو ولي في كل المراحل، بالأدلة قبل الإيمان ولي.

ومع الإيمان استصحابا يكون ناصرنا على خصومنا وخصومه. وفي الآخرة هو ولينا بالمحبة والعطاء ويعطينا عطاء غير محدود، إذن فولايته لا تنتهي. ﴿ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ [البقرة: 257] إنه سبحانه يخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان لأن الظلمات عادة تنطمس فيها المرائي، فلا يمكن أن ترى شيئا إلا إذا كان هناك ضوء يبعث لك من المرئي أي أشعة تصل إليك، فإن كانت هناك ظلمة فمعنى ذلك أنه لا يأتي من الأشياء أشعة فلا تراها، وعندما يأتي النور فأنت تستبين الأشياء، هذه في الأمور المحسة وكذلك في مسائل القيم، ﴿ يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ﴾ [البقرة: 257]. هل هم دخلوا النور يا ربنا؟ لنا أن نفهم أن المقصود هنا هم المرتدون الذين وسوس لهم الشيطان فأدخلهم في ظلمات الكفر بعد أن كانوا مؤمنين، أو ﴿ يخرجونهم من النور إلى الظلمات ﴾ [البقرة: 257]، أي يحولون بينهم وبين النور فيمنعونهم من الإيمان كما يقول واحد: أما دريت أن أبي أخرجني من ميراثه؟ إن معنى ذلك أنه كان له الحق في التوريث، وأخرجه والده من الميراث. وهذا ينطبق على الذين تركوا الإيمان، وفضلوا الظلمات. والقرآن يوضح أمر الخروج من الظلمة إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان في مواقع أخرى، كقول سيدنا يوسف للشابين اللذين كانا معه في السجن:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٦