تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.237

أي ما دام لم يدخل بها ولم يتمتع بها فلا تأخذ المهر كله، إنما يكون لها النصف من المهر. ولنعلم أن هناك فرقا بين أن يوجد الحكم بقانون العدل، وبين أن ينظر في الحكم ناحية الفضل، وأحكي هذه الواقعة لنتعلم منها: ذهب اثنان إلى رجل ليحكم بينهما فقالا: احكم بيننا بالعدل. قال: أتحبون أن أحكم بينكما بالعدل؟ أم بما هو خير من العدل؟ فقالا: وهل يوجد خير من العدل؟ قال: نعم. الفضل. إن العدل يعطي كل ذي حق حقه، ولكن الفضل يجعل صاحب الحق يتنازل عن حقه أو عن بعض حقه. إذن فالتشريع حين يضع موازين العدل لا يريد أن يحرم النبع الإيماني من أريحية الفضل فهو يعطيك العدل، ولكنه سبحانه يقول بعد ذلك: ﴿ ولا تنسوا الفضل بينكم ﴾ [البقرة: 237] فالعدل وحده قد يكون شاقا وتبقى البغضاء في النفوس، ولكن عملية الفضل تنهي المشاحة والمخاصمة والبغضاء. والمشاحة إنما تأتي عندما أظن أني صاحب الحق، وأنت تظن أنك صاحب الحق، ومن الجائز أن تأتي ظروف تزين لي فهمي، وتأتي لك ظروف تزين لك فهمك، فحين نتمسك بقضية العدل لن نصل إلى مبلغ التراضي في النفوس البشرية. ولكن إذا جئنا للفضل تراضينا وانتهينا. والحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ [البقرة: 237] أي من قبل أن تدخلوا بهن ﴿ وقد فرضتم لهن فريضة ﴾ [البقرة: 237] يعني سميتم المهر ﴿ فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون ﴾ [البقرة: 237] والمقصود ب " يعفون " هو الزوجة المطلقة. إن بعض الجهلة يقولون والعياذ بالله: إن القرآن فيه لحن. وظنوا أن الصحيح في اللغة أن يأتي القول: إلا أن يعفوا بدلا من " إلا أن يعفون ". وهذا اللون من الجهل لا يفرق بين " واو الفعل " و " واو الجمع " إنها هنا " واو الفعل " فقول الحق: " إلا أن يعفون " مأخوذة من الفعل " عفا " و " يعفو ". وهكذا نفهم أن للزوجة أن تعفو عن نصف مهرها وتتنازل عنه لزوجها. ويتابع الحق: ﴿ أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح ﴾ [البقرة: 237] والمقصود به الزوج وليس الولي، لأن سياق الآية يفهم منه أن المقصود به هو الزوج، مع أن بعض المفسرين قالوا: إنه ولي الزوجة. ولنا أن نعرف أن الولي ليس له أن يعفو في مسألة مهر المرأة لأن المهر من حق الزوجة، فهو أصل مال، وأصل رزق في حياة الناس لأنه نظير التمتع بالبضع. ولذلك تجد بعض الناس لا يصنعون شيئا بصداق المرأة، ويدخرونه لها بحيث إذا مرض واحد اشترت له من هذا الصداق ولو قرص اسبرين مثلا لأنه علاج من رزق حلال، فقد يجعل الله فيه الشفاء.

فالمرأة تحتفظ بصداقها الحلال لمثل هذه المناسبات لتصنع به شيئا يجعل الله فيه خيرا، لأنه من رزق حلال لا غش فيه ولا تدليس. وأرد المفسرين الذين نادوا بأن ولي الزوجة هو الذي يعفو وأقول: لماذا يأتي الله بحكم تتنازل فيه المرأة عن حقها وأن تعفو عن النصف، والرجل لا يكون أريحيا ليعفو عن النصف؟ لماذا تجعل السماء الغرم كله على المرأة؟ هل من المنطقي أن تعفو النساء أو يعفو الذي بيده عقد النكاح يعني أولياء الزوجة، فنجعل العفو يأتي من الزوجة ومن أوليائها أي من جهة واحدة؟ إن علينا أن نحسن الفهم لسياق الفضل الذي قال الله فيه: ﴿ ولا تنسوا الفضل بينكم ﴾ [البقرة: 237]، إن التقابل في العفو يكون بين الاثنين، بين الرجل والمرأة، ونفهم منه المقصود بقوله تعالى: ﴿ أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح ﴾ [البقرة: 237] أنه هو الزوج، فكما أن للمرأة أن تعفو عن النصف المستحق لها فللزوج أن يعفو أيضا عن النصف المستحق له. ويقول الحق: ﴿ وأن تعفوا أقرب للتقوى ﴾ [البقرة: 237] لأن من الجائز جدا أن يظن أحد الطرفين أنه مظلوم، وإن أخذ النصف الذي يستحقه. لكن إذا لم يأخذ شيئا فذلك أقرب للتقوى وأسلم للنفوس. ولنا أن نتذكر دائما في مثل هذه المواقف قول الحق: ﴿ ولا تنسوا الفضل بينكم ﴾ [البقرة: 237] فحتى في مقام الخلاف الذي يؤدي إلى أن يفترق رجل عن امرأة لم يدخل بها يقول الله: ﴿ ولا تنسوا الفضل بينكم ﴾ [البقرة: 237] أي لا تجعلوها خصومة وثأرا وأحقادا، واعلموا أن الحق سبحانه يجعل من بعض الأشياء أسبابا مقدورة لمقدور لم نعلمه. وهذه المسألة تجعل الإنسان لا يعتقد أن أسبابه هي الفاعلة وحدها. ومثال ذلك: قد نجد رجلا قد أعجب بواحدة رآها فتزوجها، أو واحدة أخرى رآها شاب ولم تعجبه، ثم جاء لها واحد آخر فأعجب بها، معنى ذلك أن الله عز وجل كتب لها القبول ساعة رأت الشاب أهلا لها ورآها هي أهلا له. ولذلك كان الفلاحون قديما يقولون: لا تحزن عندما يأتي واحد ليخطب ابنتك ولا تعجبه لأنه مكتوب على جبهة كل فتاة: أيها الرجال عفوا - بكسر العين وتشديد الفاء - عن نساء الرجال فهي ليست له، ولذلك فليس هذا الرجل من نصيبها. وعلينا ألا نهمل أسباب القدر في هذه الأمور لأن هذا أدعى أن نحفظ النفس البشرية من الأحقاد والضغائن. ويختم الحق الآية بقوله: ﴿ إن الله بما تعملون بصير ﴾ [البقرة: 237] إنه سبحانه يعلم ما في الصدور وما وراء كل سلوك. وبعد ذلك تأتي آية لتثبت قضية إيمانية، هذه القضية الإيمانية هي أن تكاليف الإسلام كلها تكاليف مجتمعة، فلا تستطيع أن تفصل تكليفا عن تكليف، فلا تقل: " هذا فرض تعبدي " و " هذا مبدأ مصلحي " و " هذا أمر جنائي " ، لا. إن كل قضية مأمور بها من الحق هي قضية إيمانية تكون مع غيرها منهجا متكاملا. فبعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى عن الطلاق يقول: ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤١٣