يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون
[النور: 24]. أي أن الجوارح - التي كانت تطيع الكافر في المعاصي في الدنيا - لا تطيعه يوم القيامة فاللسان الذي كان ينطق كلمة الكفر - والعياذ بالله - يأتي يوم القيامة يشهد على صاحبه.. والقدم التي كانت تمشي إلى أماكن الخمر واللهو والفسوق تشهد على صاحبها، واليد التي كانت تقتل وتسرق تشهد على صاحبها. وقوله: " أضطره " معناها أن الإنسان يفقد اختياره في الآخرة، ثم ينتهي إلى النار وإلى العذاب الشديد مصداقا لقوله تعالى: ﴿ ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ﴾ [البقرة: 126].. أي أن الله سبحانه وتعالى يحذر الكافرين بأن لهم النار والعذاب في الآخرة ليس على اختيار منهم ولكن وهم مقهورون.
2.127
يقول الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم اذكر عندما كان إبراهيم يرفع القواعد من البيت.. وجاءت ﴿ يرفع ﴾ [البقرة: 127] هنا فعلا مضارعا لتصوير الحدث الآن وفي المستقبل. ولكن هل يرفع إبراهيم القواعد من البيت الآن؟ أم أنه رفع وانتهى؟ طبعا هو رفع وانتهى، ولكن الله سبحانه وتعالى يريد أن يستحضر حالة إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت.. والله يريد من المؤمنين أن يتصوروا عملية الرفع، فلم يكن إبراهيم يملك سلما حتى يرفعه ويقف فوقه، ولم يكن يملك " سقالة ".. ولكن غياب هذه النعم لم يمنع إبراهيم من أن يتحايل ويأتي بالحجر. إن الله يريد منا ألا ننسى هذه العملية، وإبراهيم وابنه إسماعيل يذهبان للبحث عن حجر، ولابد أن يكون الحجر خفيف الوزن ليستطيعا أن يحملاه إلى مكان البناء.. ثم يقف إبراهيم على الحجر وإسماعيل يناوله الأحجار الأخرى التي سيتم بها رفع القواعد من البيت. ورغم المشقة التي يتحملها الاثنان.. هما سعيدان.. وكل ما يطلبانه من الله هو أن يتقبل منهما.. والقبول والمقابلة والاستقبال كلها من مادة مواجهة.. أي أنهما يسألان الله في موقف المعرض عن عمله، إنهما لا يريدان إلا الثواب: ﴿ تقبل منآ ﴾ [البقرة: 127] أي أعطنا الثواب عما نعمله لأجلك وتنفيذا لأمرك. وقوله تعالى: ﴿ إنك أنت السميع العليم ﴾ [البقرة: 127].. أي أنت يا رب السميع الذي تسمع دعاءنا وتسمع ما نقول.. " والعليم ".. العليم بنيتنا ومدى إخلاصنا لك.. وإننا نفعل هذا العمل ابتغاء لوجهك ولا نقصد غيرك.. ذلك أن الأعمال بالنيات، وقد يعمل رجلان عملا واحدا. أحدهما يثاب لأنه يعمله إرضاء لله وتقربا منه والآخر لا يثاب لأنه يفعله من أجل الدنيا. والله سبحانه وتعالى عليم بالنية. فإن كان العمل خالصا لله تقبله، وإذا لم يكن خالصا لوجهه لا يتقبله.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه "
إذن فالعمل إن لم يكن خالصا لله فلا ثواب عليه.