2.27
بعد أن بين الله لنا مفهوم الإيمان في أننا نتلقى عن الله وننفذ الحكم ولو لم نعرف الحكمة. فكل ما يأتي من الله نأخذه بمنطق الإيمان، وهو أن الله الذي قال، وليس بمنطق الكفر والتشكك. فكل شيء عن الله، حكمته أنه صادر عن الحق سبحانه وتعالى. وأخبرنا الحق تبارك وتعالى أن الفاسقين هم المبتعدون عن منهج الله، وأراد الحق أن يبين لنا صفات الفاسقين، فحددها في ثلاث صفات: أولا: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. ثانيا: الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل. ثالثا: الذين يفسدون في الأرض. ثم حدد لنا الحق تبارك وتعالى حكمهم فقال: ﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ [البقرة: 27]. والخسران الذي وصلوا إليه هو من عملهم، لأنهم تركوا المنهج وبدأوا يشرعون لأنفسهم بهوى النفس ولذلك يقول الحق جل جلاله عنهم:
أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين
[البقرة: 16]. إذن: هم الذين اختاروا، وهم الذين اشتروا الضلالة ودفعوا ثمنها من هدى الله، فكأنهم عقدوا صفقة خاسرة لأن هدى الله هو الذي يقودنا إلى الحياة الخالدة والنعيم الذي لا يزول. والحق سبحانه وتعالى يعطينا الصورة في قوله تعالى:
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم
[التوبة: 111]. إذن: فالمؤمنون باعوا لله سبحانه وتعالى أموالهم وأنفسهم، وكانوا صادقين في عهدهم، أما الكفار والمنافقون فقد باعوا هدى الله، واشتروا به ضلال الدنيا. فالحق سبحانه وتعالى ذكر لنا أول صفات الفاسقين أنهم لا عهد لهم. ليس بينهم وبين الناس فقط، ولكن لا عهد لهم مع الله أيضا، وكلما عاهدوا الله عهدا نقضوه، والله يحب الوفاء بالعهد. ولذلك يقول جل جلاله:
ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا
[الإسراء: 34]. ويقول تعالى:
وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنآ أكثرهم لفاسقين
[الأعراف: 102]. ما هو العهد الموثق الذي أخذه الله على عباده فنقضوه؟ إنه الإيمان الأول. الإيمان الفطري الموجود في كل منا. فالله سبحانه وتعالى أخذ من البشر جميعا عهدا، فوفى به بعضهم ونقضه بعضهم. والله سبحانه وتعالى ذكر لنا في القرآن الكريم أن هناك عهدا موثقا بينه وبين ذرية آدم. فقال جل جلاله:
وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين
[الأعراف: 172]. وهكذا أخذ الله عهدا على ذرية آدم بأن يؤمنوا به، وأشهدهم أنه ربهم.
وجاءت الغفلة إلى القلوب بمرور الوقت، فنقضوا العهد واتخذوا آلهة من دون الله.. إذن: أول صفات الفاسقين أنهم نقضوا عهد الله، والذي ينقض عهدا مع بشر، فسلوكه هذا لا يقبله الحق سبحانه وتعالى حتى مع الكفار وغير المؤمنين. واقرأ قوله تبارك وتعالى:
إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين
[التوبة: 4]. وهكذا نرى أن الحق تبارك وتعالى حين أعلن براءته وبراءة رسوله صلى الله عليه وسلم وبراءة المؤمنين من كل كافر مشرك في قضية إيمانية كبرى، حرم الله فيها على الكفار والمنافقين أن يقتربوا من بيته الحرام في مكة، احترم جل جلاله العهد، حتى مع المشركين، وطلب من المؤمنين أن يوفوا به. فإذا كان هذا هو المسلك الإيماني مع كل كافر ومشرك إن كنت قد عاهدته عهدا فأوف به إلى مدته. فكيف بالمشركين وقد عاهدوا الخالق الأعظم، ثم ينقضون عهده الموثق، إنهم قد خانوا منهج الله وعهده، وإذا لم يكن لهم عهد مع الله سبحانه وتعالى، فهل يكون لهم عهد مع خلق الله؟! إذن: فالفاسقون أول صفاتهم أنه لا عهد لهم مع خالقهم، ولا عهد لهم مع الناس، ولذلك لا نأمن لهم أبدا. ثم تأتي بعد ذلك الصفة الثانية للفاسقين في قوله تعالى: ﴿ ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل.. ﴾ [البقرة: 27] وما أمر الله به أن يوصل هو صلة الرحم. فقد أمرنا الله تعالى بأن نصل أرحامنا، فنحن كلنا أولاد آدم. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع