2.200
ونعرف أن " قضى " تأتي بمعان متعددة، والعمدة في هذه المعاني فصل الأمر بالحكمة، قد يفصل الأمر بحكمة لأنه فرغ منه أداء " فإذا قضيتم " أي إذا فرغتم من مناسككم، هذه واحدة. وقد يكون لأنك فصلت الأمر بخبر يقين مثل قوله الحق:
وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه..
[الإسراء: 23]. وقد يكون " قضى " بمعنى حكم حكما لازما كما تقول: قضى القاضي. إذن فكلها تدور حول معنى: فصل بحكمة. ﴿ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله ﴾ [البقرة: 200]. أي إذا فرغتم من مناسككم، والمناسك هي الأماكن لعبادة ما، فعرفات مكان للموقف، و " مزدلفة " مكان للمشعر الحرام يبيت فيه الحجاج. و " منى " منسك للمبيت أيضا، إذن كل مكان فيه عبادة يسمى " منسكا ". وقوله سبحانه: ﴿ فاذكروا الله ﴾ [البقرة: 200] أي فلا يزال ذكر الله دائما واردا في الآيات، كأنك حين توفق إلى أداء شيء إياك أن تغتر، بل اذكر ربك الذي شرع لك ثم وفقك وأعانك. وكأن الحق يريد أن يضع نهاية لما تعودت عليه العرب في ذلك الزمان، فقديما كانوا يحجون، فإذا ما اجتمعت القبائل في منى، كانت كل قبيلة تقف بشاعرها أو بخطيبها ليعدد مآثره ومآثر آبائه، وما كان لهم من مفاخر في الجاهلية، ويحملون الديات، ويحملون الحمالات، ويطعمون الطعام، ويفعلون غير ذلك من العادات، فأراد الله سبحانه وتعالى أن ينهي فيهم هذه العادة التي هي التفاخر بالآباء وبأعمالهم فقال: ﴿ فاذكروا الله كذكركم آبآءكم ﴾ والذكر معناه توجيه الفكر إلى شيء غير موجود ساعة تأتي به، ولا يمكن أن يذكر الإنسان من أحداث الماضي إلا الحدث الذي له الأثر النافع فيه، وعلى مقدار الأثر النافع يكون الذكر. وكانوا قديما يطعمون الطعام، والذي يطعم الطعام يؤدي مهمة في مثل هذه البلاد البدائية - أي البدوية - وكان من المبالغة في الجفنات أن بعضهم كالمطعم بن عدي مثلا كانت له جفنة يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يستظل بها ساعة الهجير. والجفنة هي الوعاء الذي يوضع فيه الطعام، فتأمل الجفنة كيف تكون؟! ويحملون الحمالات، بمعنى أن إذا قامت قبيلة على قبيلة وقتلت منها خلفا كثيرا يتطوع منهم ذو الحسب وذو المروءة وذو الشهامة وذو النجدة فيحمل كل هذه الآثار في ماله. والديات هي التي يتطوع بدفعها أهل الشهامة منهم إذا ما قتل قاتل قتيلا، ولا يقدر على أن يعطي ديته، وكانت كل تلك الأعمال هي المفاخر. أراد الحق سبحانه وتعالى أن يردهم في كل شيء إلى ذاته، فقال لهم: أنتم تذكرون آباءكم لأنهم كانوا يفعلون كذا وكذا، وآباؤكم يفتخرون بآبائهم، انقلوها وسلسلوها إلى خالق كل الآباء وكل البشر، فكل ما يجري من خير على يد الآباء مرده إلى الله، فإن ذكرتم آباءكم لما قدموه من خير، فاذكروا من أمدهم بذلك الخير.
وهو يريد منهم أن يذكروا الله كذكرهم آباءهم أو أشد ذكرا لأن كل كائن إنما يستحق من الذكر على مقدار ما قدم من الخير، ولن تجد كل الخير إلا لله، إذن لابد أن نذكر الله. وأيضا فإن الإسلام أراد أن ينهي التفاخر بالآباء ليجعل الفخر ذاتيا في نفس المؤمن، أي فخرا من عمل جليل نابع وحاصل من الشخص نفسه ولذلك يقولون في أمثال هؤلاء الذين يفخرون بأسلافهم إنهم: " عظاميون " أي منسوبون إلى مجد صنعه من صاروا عظما تضمها القبور، والله يريدنا أن نكون ذاتيين في مفاخرنا، أي أن نفخر بما نفعل نحن، لا بما فعل آباؤنا، فالآباء أفضوا إلى ما قدموه، ويريد الله أن يأخذ الإنسان ذاتية إيمانية تكليفية. ومن يريد أن يفتخر فليفتخر بنفسه ولذلك يقول الشاعر:
ولا تكونوا عظاميين مفخرة
ماضيهم عامر في حاضر خرب
لا ينفع الحسب الموروث من قدم
إلا ذوي همة غاروا على الحسب
والعود من مثمر إن لم يلد ثمرا
عدوه مهما سما أصلا من الحطب