2.22
فبعد أن بين لنا الحق سبحانه وتعالى أن عطاء ربوبيته الذي يعطيه لخلقه جميعا: المؤمن والكافر، كان يكفي لكي يؤمن الناس - كل الناس -.. أخذ يبين لنا آيات من عطاء الربوبية. ويلفتنا إليها لعل من لم يؤمن عندما يقرأ هذه الآيات يدخل الإيمان في قلبه. فيلفتنا الله سبحانه وتعالى إلى خلق الأرض في قوله تعالى: ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشا ﴾ [البقرة: 22]. والأرض هي المكان الذي يعيش فيه الناس ولا يستطيع أحد أن يدعي أنه خلق الأرض أو أوجدها. إذن: فهي آية ربوبية لا تحتاج لكي نتنبه إليها إلى جهد عقلي لأنها بديهات محسومة لله سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: " فراشا " توحي بأنه أعد الأرض إعدادا مريحا للبشر. كما تفرش على الأرض شيئا، تجلس عليه أو تنام عليه، فيكون فراشا يريحك. ونحن نتوارث الأرض جيلا بعد جيل. وهي تصلح لحياتنا جميعا. ومنذ أن خلقت الأرض إلى يوم القيامة، ستظل فراشا للإنسان. قد يقول بعض الناس: أنك إذا نمت على الأرض فقد تكون غير مريحة تحتك، فيها حصى أو غير ذلك مما يضايقك. نقول: إن الإنسان الأول كان ينام عليها مستريحا.. إذن فضرورة النوم ممكنة على الأرض. وعندما تقدمت الحضارة وزادت الرفاهية ظلت الأرض فراشا رغم ما وجد عليها من أشياء لينة. فكأن الله تعالى قد أعدها لنا إعدادا يتناسب مع كل جيل. فكل جيل رفه في العيش بسبب تقدم الحضارة كشف الله سبحانه من العلم ما يطوع له الأرض ويجعلها فراشا. ونلاحظ أن الله سبحانه وتعالى في آية أخرى يقول:
جعل لكم الأرض مهدا..
[الزخرف: 10]. والمهد: هو فراش الطفل، ولابد أن يكون مريحا لأن الطفل إذا وجد في الفراش أي شيء يتعبه، فإنه لا يملك الإمكانات التي تجعله يريحه، ولذلك تمهد الأم لطفلها مكان نومه، حتى ينام نوما مريحا. ولكن الذي يمهد الأرض لكل خلقه هو الله سبحانه وتعالى. يجعلها فراشا لعباده. وإذا قرأت قوله تعالى:
هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه..
[الملك: 15]. فإن معنى ذلك أن الحق سبحانه جعل الأرض مطيعة للإنسان، تعطيه كل ما يحتاج إليه. ويأتي الحق سبحانه وتعالى إلى السماء فيقول: " والسماء بناء " والبناء يفيد المتانة والتماسك. أي أن السماء - وهي فوقك - لا نرى شيئا يحملها حتى لا تسقط عليك. إنها سقف متماسك متين.. ويؤكد الحق هذا المعنى بقوله تعالى:
ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه
[الحج: 65]. وفي آية أخرى يقول:
وجعلنا السمآء سقفا محفوظا..
[الأنبياء: 32]. والهدف من هذه الآيات كلها أن نطمئن ونحن نعيش على الأرض أن السماء لن تتساقط علينا لأن الله يحفظها.
إذن: من آيات الحق سبحانه وتعالى في الأرض أنه جعلها فراشا أي: ممهدة ومريحة لحياة الإنسان، وحفظ السماء بقدرته جل جلاله، فهي ثابتة في مكانها، لا تهدد سكان الأرض وتفزعهم، بأنها قد تسقط عليهم، ثم جاء بآية أخرى: ﴿ وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم.. ﴾ [البقرة: 22]. فكأن الحق سبحانه وتعالى وضع في الأرض وسائل استبقاء الحياة. فلم يترك الإنسان على الأرض دون أن يوفر له وسائل استمرار حياته. فالمطر ينزل من السماء، والسماء هي كل ما علاك فأظلك. فينبت به الزرع والثمر، وهذا رزق لنا، والناس تختلف في مسألة الرزق. والرزق هو ما ينتفع به، وليس هو ما تحصل عليه. فقد تربح مالا وافرا ولكنك لا تنفقه ولا تستفيد منه فلا يكون هذا رزقك ولكنه رزق غيرك، وأنت تظل حارسا عليه، لا تنفق منه قرشا واحدا، حتى توصله إلى صاحبه. والرزق في نظر معظم الناس هو المال، قال عليه الصلاة والسلام:
" يقول ابن آدم: مالي مالي.. وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت ".
هذا هو رزق المال، وهو جزء من الرزق. ولكن هناك رزق الصحة. ورزق الولد. ورزق في الطعام، ورزق في البركة، وكل نعمة من الله سبحانه وتعالى هي رزق وليس المال وحده. فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا بهذه الآية الكريمة إلى أن نفكر قليلا، فيمن خلق هذا الكون. لنعرف أنه قبل أن يخلق الإنسان خلق له عناصر بقائه. ولكن هذا الإعداد لم يتوقف عند الحياة المادية. بل إن الله كما أعد لنا مقومات حياتنا المادية أعد لنا مقومات حياتنا الروحية، أو القيم في الوجود. وإذا قرأت في سورة الرحمن قوله تعالى: