تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.134

وقوله تعالى: " خلت " أي انفردت. وخلا فلان بفلان أي انفرد به.. وخلا المكان من نزيله أي أصبح المكان منفردا، والنزيل منفردا ولا علاقة لأحدهما بالآخر.. الله تبارك وتعالى يقول:

وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون

[البقرة: 14]. أي انفردوا هم وشياطينهم ولم يعد في المكان غيرهم ولقد قلنا إن كل حدث لابد أن يكون له محدث، ولا حدث يوجد بذاته، وكل حدث يحتاج إلى زمان ويحتاج إلى مكان.. فإذا قال الحق تبارك وتعالى: ﴿ تلك أمة قد خلت ﴾ فمعناه إنه انقضى زمانها وانفرد عن زمانكم. والمقصود بقوله تعالى: ﴿ تلك أمة قد خلت ﴾ [البقرة: 134] أي انتهى زمانها.. وتلك اسم إشارة لمؤنث مخاطب وأمة هي المشار إليه، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولعامة المسلمين.. والله سبحانه وتعالى حين يقول: ﴿ تلك أمة ﴾ [البقرة: 134] فكأنها مميزة بوحدة عقيدتها ووحدة إيمانها حتى أصبحت شيئا واحدا.. ولذلك لابد أن يخاطبها بالوحدة.. واقرأ قوله تعالى:

إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون

[الأنبياء: 92]. وتلك هنا إشارة لأمة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب.. هم جماعة كثيرة لهم عقيدة واحدة. وقوله تعالى: ﴿ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ﴾ [البقرة: 134].. أي تلك جماعة على دين واحد تحاسب عما فعلته كما ستحاسبون أنتم على ما فعلتم.. ولكن الله سبحانه وتعالى يقول:

إن إبراهيم كان أمة..

[النحل: 120]. وإبراهيم فرد وليس جماعة؟ نقول: نعم إن إبراهيم فرد، ولكن اجتمعت فيه من خصال الخير ومواهب الكمال ما لا يجتمع إلا في أمة. وقوله تعالى: ﴿ قد خلت ﴾ [البقرة: 134] يراد بها إفهام اليهود ألا ينسبوا أنفسهم إلى إبراهيم نسبا كاذبا لأن نسب الأنبياء ليس نسبا دمويا أو جنسيا أو انتماء.. وإنما نسب منهج واتباع.. فكأن الحق يقول لليهود لن ينفعكم أن تكونوا من سلالة إبراهيم ولا إسحاق ولا يعقوب.. لأن نسب النبوة هو نسب إيماني فيه اتباع للمنهج والعقيدة.. ولا يشفع هذا النسب يوم القيامة لأن لكل واحد عمله. قوله تعالى: ﴿ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ﴾ [البقرة: 134].. الكسب يؤخذ على الخير والاكتساب يؤخذ في الشر لأن الشر فيه افتعال. إننا لابد أن نلتفت ونتنبه إلى آيات القرآن الكريم، حتى نستطيع أن نرد على أولئك الذين يحاولون الطعن في القرآن.. فلا يوجد معنى لآية تهدمها آية أخرى ولكن يوجد عدم فهم. يأتي بعض المستشرقين ليقول هناك آية في القرآن تؤكد أن الله سبحانه وتعالى يعطي بالأنساب وذلك في قوله جل جلاله:

والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ألتناهم من عملهم من شيء..

[الطور: 21]. الأبناء مؤمنون، وقوله تعالى: " ألحقنا بهم ذريتهم " كلمة ألحقنا تأتي عندما تلحق ناقصا بكامل.. فإذا كان الاثنان مؤمنين فكأنك تزيد درجة الأبناء إكراما لآبائهم المؤمنين.. نقول إن الإيمان شيء والعمل بمقتضى الإيمان شيء آخر.. الأب والذرية مؤمنون ولكن الآباء تفانوا في العمل والأبناء ربما قصروا قليلا.. ولكن هنا رفع درجة بالنسبة للمؤمنين، أي لابد أن يكون الأب والذرية مؤمنين.. ولكن غير المؤمنين مبعدون ليس لهم علاقة بآبائهم انقطعت الصلة بينهم بسبب الإيمان والكفر.. فالآباء لهم أعمال حسنة كثيرة.. والأبناء لهم أعمال حسنة أقل.. ينزل الله الأبناء في الجنة مع آبائهم لأن الإيمان واحد. وقوله تعالى: " وما ألتناهم " أي أنقصناهم من عملهم من شيء.. إذن فالآباء والذرية مأخوذون بإيمانهم، والله بفضله يلحق الأبناء بالآباء. قوله تعالى: ﴿ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ﴾ [البقرة: 134].. هذه عملية الإيمان في العقيدة.. قد يقول البعض إن الله تبارك وتعالى يقول:

كل امرىء بما كسب رهين

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٠